وَهنٌ على وَهنْ.. الأمومة في ظل الإبادة Previous item لا الصين ولا روسيا

وَهنٌ على وَهنْ.. الأمومة في ظل الإبادة

 

حمدي شمعة*

 

شاءت الأقدار أن تضع زوجتي مولودها الأول في مستشفى ناصر بخانيونس يوم الجمعة السادس من شهر سبتمبر/ايلول  2024، في وضع استثنائي مثل بقية المواليد الذين جاؤوا للدنيا خلال حرب الإبادة على قطاع غزة.

لقد جاءت اللحظة التي انتهت فيها رحلة “وهن على وهن” بعد 336 يوماً من الحرب على غزة، وكم هو مؤلم أن تقضي امرأة حامل هذه الفترة في جحيم الخيمة، يمر فيها الوقت ثقيلاً أمام سيمفونية طويلة: الحزن على الأهل والأحباب وظلمة الليل وبرد الشتاء وحر الصيف، لدغات البعوض، شح المياه، فساد الهواء والأجواء، تفشي الأمراض، ضير الجوع، مخاطر النزوح – تحت وطأة الفزع الأكبر – حين تزهق الأرواح وتقطع الأشلاء، تمزق الخيام، ويروع فيها الخلق، بفعل القنابل المزلزلة التي كان يلقيها جيش الاحتلال الإسرائيلي على الخيام الرقيقة.

وعلى الرغم من أهوال هذه الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، حملت زوجتي بين أحشاءها وخلف حزام بطنها جنينها بكل قوة.

أتذكر اللحظات الأولى التي بشرنا فيها الطبيب بنتيجة الحمل، والفرحة العميقة خصوصاً أن ذلك جاء بعد عامين من زواجنا، بعد أن نزحنا مراراً وتكراراً من شمال القطاع إلى أن وصلنا للحدود المصرية في مدينة رفح. ومثل أي أب كان القلق ينتابني، وبدأت أسال نفسي كيف يمكن أن أدبر الغذاء المناسب في الوقت الذي يشدد الاحتلال الحصار علينا، وهل سيعاني الجنين من سوء التغذية؟ وما هي الحالة التي سيأتي بها لهذا العالم؟ كيف يمكني أن اجد الماء الصالح للشرب؟ الفراش المناسب لإمرأة حامل؟ وأسئلة أخرى لا تنتهي.

قالت لي زوجتي عند دخولنا الخيمة لأمرة مرة في رفح: “لا الخيمة أنا ولا الخيمة تشبهني، لا ساعة حائط ولا مسند يسندني، أين النوافذ؟ أين الأبواب؟ أين صندوق أبي؟ أين إبرة أمي؟ أين الأهل والأحباب؟”.

عندها آلمني الحنين والصمت الذي لا يرحم، وأخفيت دموع الشوق في قلبي، اعتقدت بأن زوجتي ستكون سعيدة عندما انتهيت من نصب الخيمة بعد صعوبات كثيرة واجهناها أثناء تجهيزها. في تلك اللحظات؛ تداعى الى ذهني “روبنسون كروزو” الذي تحطمت سفينته نتيجة عاصفة هوجاء، ليجد نفسه الناجي الوحيد على جزيرة مهجورة ومعزولة قبالة سواحل أمريكا الجنوبية.

على مدى ثمانية وعشرون عاماً، واجه كروزو الحياة بمفرده وأول ما قام به هو بناء الكوخ. لقد واجهت ما واجهه كروزو من عناء في بناء خيمتي، وكما هو الحال عند كروزو لم أجد المسمار والمطرقة وأدوات الحفر بسهولة، عندها أدركت ما أدركه كروزو بأن البشرية عانت وأن هذه الأدوات هي نتاج تجربة طويلة لأجيال متعاقبة والفضل يرجع لمن اخترعها ليسهل الأعمال الشاقة على البشر.

الفرق بيني وبين كروزو أنه عاش وحيداً بين أحضان الطبيعة في جزيرة معزولة عن هذا العالم بهدوءها القاتل، لم تسمع به منظمات حقوق الإنسان ولا المجتمع الدولي، ولم يشاهده أحد في شاشات التلفزة، لقد عاش وحيداً وكان الناجي الوحيد، أما أنا فقد عشت مع شعب بأكمله في معمورة لا تسمع فيها سوى أصوات الانفجارات وتتصاعد منها أعمدة الدخان السوداء ومبانيها أصبحت خاوية وشوارعها مدمرة وكم من ناج وحيد خرج من بين أنقاضها. أتساءل: هل سيختار لنا الاحتلال حياة البؤس لثمانٍ وعشرين سنة قادمة؟

فرق آخر بيني وبين روبنسون كروزو أنه استطاع أن ينقد بشجاعته فرايدي أو جمعة الذي تعرف عليه من بين آكلي لحوم البشر، أما أنا في غزة، فلم أتخيل يوما أنني سأخطو فوق جثة أو مصاب دون أن أقدم له المساعدة، حتى فرق الإسعاف التي تتدخل لإنقاذ الأرواح لم يسمح لها بممارسة عملها بسبب القنابل الإسرائيلية التي تتساقط مثل المطر وتمزق الحجر ولحوم البشر.

في هذه الظروف المعقدة والحصار الذي يشتد علينا، بدأت مثل أي أب ينتظر مجيئ ابنه بلهفة بالسعي لإيجاد الماء والطعام المناسبين، لكن بصعوبة بالغة. الكثير من الطعام مفقود، وإن وجد فإنه شحيح جداً، كان يتوجب علي أن أمشي لمسافات طويلة تحت الشمس من أجل شراء بيضة لزوجتي بأغلى الأثمان، البيض مفيد للحوامل لما يحتوي عليه من فيتامينات، لكنه مضر بالجيب، وفيما كنت اطوف الأسواق عن البيض أجد نفسي اردد أبياتاً للشاعر نزار قباني الذي يقول:

“كانت فلسطين لكم..

دجاجةً من بيضها الثمين تأكلون..

كانت فلسطين لكم..

قميص عثمان الذي به تتاجرون”..

هذه هي الحرب، ما هو موجود الآن في الأسواق سيكون مفقوداً بعد دقائق، الكثير من الطعام مثل الخضروات واللحوم والفواكه انقطعت من الأسواق ولفترات طويلة. وفي الشهر الخامس من الحمل شعرت زوجتي بالهزال، وأصبحتُ أكثر قلقا من أي وقت مضى رغم شعورنا بلطف الله ورعاية في كل مرة.

ذات مرة، عندما اصطحبت زوجتي إلى المستشفى الكويتي الميداني بالقرب من دوار الأقصى في خانيونس، بعد أن أصابها ألمٌ شديدٌ في ظهرها بسبب ثقل الجنين واقتراب موعد الولادة، دخلت زوجتي مع زوجة أخي في الحاوية حتى يتم فحصها من قبل الطبيب. وبشكل مفاجئ عمل أمن المستشفى على إخراج كل المرضى والمراجعين من الباب الخلفي للمستشفى، سألت ما الأمر؟ قالوا: مسلحون يتبعون لإحدى العائلات قادمون إلى المستشفى، خرج الناس مذعورين، بقيت لبضع دقائق داخل المستشفى إلى أن جاء أحد رجال الأمن وأخرجني من الباب الخلفي، وما أن صرت في المخيم سمعت صوت إطلاق نار، بدأت بالركض والبحث عن زوجتي وزوجة أخي، عدت أدراجي من الباب الخلفي إلى المستشفى مع اشتداد إطلاق النار، وما أن اقتربت من الحاوية واتجهت بنظري نحو البوابة الرئيسية؛ رأيت بعض المسلحين من خلف الدخان الأسود، ثم انطلقت صلية رصاص من فوقي.. لزمت الأرض من فوري، وكاد صوت الرصاص أن يفجر رأسي؛ عندها رأيت الإصابات من حولي، لقد نجوت من الموت بأعجوبة. بعد دقائق انتشر الأمن مرة أخرى في المستشفى وأدركت بأنهم بدأوا يسيطرون على الحادث. ذهبت بسرعة رهيبة وطرقت باب الحاوية ثلاث طرقات، فتح الطبيب الباب، عندها تنفس جميع من في الحاوية الصعداء ورأيت الرعب في أعينهم جميعاً.

 

جحيم الامهات والأجنة

في تحقيق استقصائي نشره في اغسطس/آب 2026، سلط الصحافي نبيل سنونو من قطاع غزة الضوء على الصعوبات التي تواجهها النساء الحوامل في غزة والانتكاسة الحادة في معدلات المواليد مقابل الارتفاع المخيف في حالات الإجهاض وتشوّهات الأجنة نتيجة الهجمات العسكرية المستمرة وظروف الحرب القاسية.

كشف سنونو في تحقيقاته عن تسجيل 2440 حالة إجهاض وفقدان أجنة خلال 3 أشهر فقط في قطاع غزة نتيجة التعرض للغازات السامة، والنزوح المستمر، والصدمات النفسية.

بناءً على البيانات التي كشفتها تحقيقات سنونو، صرّح رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده، بأن إسرائيل فرضت تدابير وإجراءات متعمدة ومسبقة لمنع الإنجاب واستهداف النساء الحوامل، وهو ما يصنف قانونياً كأحد الأفعال الأساسية المكونة لـ “جريمة الإبادة الجماعية” وفق اتفاقية منع الإبادة المعمول بها دولياً.

ولسوء الحظ كانت زوجتي ممن فقدن جنينهن في حملها الأخير ثاني أيام عيد الأضحى المبارك من هذا العام 2026. إن خطر كابوس الإجهاض بات اليوم ملازماً لكل امرأة حامل في قطاع غزة. ان كوابيس هذه الحرب لا تنتهي.  ببساطة إنها خيام ومنازل مدمرة تعج بالكوابيس، أصغرها كابوس الخسارة الشخصية، وأكبرها وأدهاها كابوس الوطن. نحن أمام آلة قتل صهيونية أحالت قطاع غزة إلى مدن مدمرة، تجوس خرائبها القطط، وتلوذ بخلوتها الفئران، وتنهش من جثت أبناءها الكلاب، دمرتها وتركتها في صمتها الرهيب.

لقد أفسد علينا الطغاة كل أشكال الحياة، لكنهم لم يفسدوا على زوجتي هذه الرحلة بسبب قوتها العظيمة كأم، وبالرغم من كل هذه المخاطر، مضت نحو الولادة  مثل نيزك بسرعته الهائلة بين طبقات السماء، دون أن تأبه بالانفجارات الكونية العظيمة من حولها. وها هي اليوم قد أنجبت طفلا ًجميلاً يجري بيننا ويبعث في الخيمة حياةً ومرحاً.  لقد أسميته “الغيث” أملا في أن يغيثنا الله من كل هذا الجحيم الذي نحيا فيه.

 

 

* حمدي شمعة طالب إعلام من قطاع غزة. (الصورة): Shutterstock