“فيض من الإستياء العارم من فساد القلة الحاكمة التي آثرت تقديم مصالحها ومصالح الشركات وأصحاب رؤوس الأموال على مصالح البلاد ومواطنيها، كما حدث في ألبانيا مثلا، حيث توجهت الاحتجاجات مباشرةً نحو الحكومة ورئيسها..”
محمد الصياد*
ما سُمِّي بالربيع العربي كان “ربيعاً” مُصنّعًا بامتياز من قبل وكالات أمريكية وأوروبية متخصصة في رعاية ودعم منظمات المجتمع المدني، حتى أن عالم السياسة الأمريكي مارك لينش الذي “اخترع” واستخدم مصطلح “الربيع” العربي لأول مرة؛ أكد هذه الحقيقة في مقال نشره على موقع مجلة فورين بوليسي في 6 يناير/كانون الثاني 2011، حين عنونه “ربيع أوباما العربي”.
أبرز التنظيمات الغربية المختصة بانتاج الثورات الملونة هي: USAID في أمريكا، والمديرية العامة للشراكات الدولية “Directorate-General for International Partnerships” (Europe Aid سابقًا) في الاتحاد الأوروبي، ومؤسسات المجتمع المفتوح “Open Society Foundations” التابعة للأوليغارشي العولمي الأمريكي جورج سوروس.
لا خلاف اطلاقًا في أنه ما كان لعملية “التصنيع” هذه أن تتم لولا توفر البارود بكميات تكفي لاجراء عملية تفجير مدوية. البارود الذي نقصد هو السخط الشعبي المتراكم جراء اهمال السلطات العربية لسد الفجوات التي تنفذ منها الريح.
دائمًا كان هناك سخط، ودائمًا سيكون هناك سخط شعبي، في جميع البلدان بلا استثناء. فهناك دائمًا شرائح مجتمعية متضررة من “قسمة ضيزي”، أي القسمة الجائرة، أو غير العادلة، لعملية توزيع وإعادة توزيع اجمالي الناتج المحلي. بسطاً للموضوع سنبادر أولاً لشرح ما نعنيه بعملية توزيع وعملية إعادة توزيع اجمالي الناتج المحلي.
أولًا، اجمالي الناتج المحلي هو القيمة النقدية الإجمالية لجميع السلع والخدمات النهائية التي ينتجها أي مجتمع في أي دولة خلال فترة زمنية محددة (عادة سنة)؛ وهو المؤشر الرئيسي لقياس وزن أي اقتصاد. حصيلة هذا العمل الإنتاجي الجماعي يتم توزيعها أولًا من خلال دفع رواتب وأجور كل من اشترك في انتاج القيمة النهائية للمحصول (اجمالي الناتج المحلي)، واقتطاع أرباب العمل والشركات أرباحهم وعوائد ملكيتهم من هذا “المحصول” المتأتي من مختلف الأصول (مصانع وأوراق مالية ونحوها)، ودفع الفوائد والريوع للمقرضين من أصحاب الأموال والأراضي والعقارات، ودفع الضرائب غير المباشرة التي يقوم المنتِج أو التاجر بتحصيلها من المستهلك النهائي ثم توريدها للدولة، بما يعني القاء عبئها على المشتري بشكل غير مباشر، كما هو الحال بالنسبة لضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية والضريبة الانتقالية. أما فيما خص عملية إعادة توزيع اجمالي الناتج المحلي، فهي عملية تقوم بها الدولة في محاولة لتصحيح التوزيع غير العادل للاجمالي في مرحلة توزيعه الأولى جزئياً، وذلك عبر استخدام أدوات سياستها المالية (Fiscal policy)، متمثلة في فرض ضرائب تصاعدية (ضرائب أكبر على أصحاب الدخول المرتفعة والأرباح الكبيرة للشركات؛ وفي توجيه جزء من مخصصات الانفاق في الموازنة لدعم فئات محدودي الدخل، ودفع إعانات للعاطلين، وتوفير شبكة للضمان الاجتماعي، وتقديم خدمات مجانية أو مدعومة مثل التعليم والصحة والبنية التحتية لكافة فئات المجتمع.
وعلى الدوام – طوال التاريخ الاقتصادي للأمم – كانت هناك فئات اجتماعية، فوق السلم وتحت السلم، ضالعة في أنواع مختلفة من الفساد والاثراء غير المشروع. ودائماً وأبداً سيكون هذا هو الحال فيما تبقى على ما يبدو من وقت لانسان هذا الكوكب المسكون بنزعة التملّك والاستحواذ، وبالشراهة وعدم الاكتفاء، رغم محاولة الأديان السماوية السمحاء، لاسيما الإسلام والمسيحية، تهذيب النفس البشرية وتنقيتها من علائق سنوات الوحشية الأولى؛ ورغم جهود الأنسنة التي بذلها لفيف من الفلاسفة والمفكرين وعلماء الاجتماع عبر العصور، وهم الذين درسوا الانسان وحاولوا أنسنته وتخليصه من أدران الرذائل ونزعاته العدوانية والمادية.
اليوم، تدور الدوائر الزمكانية(*)، وتنتقل “عدوى” الربيع العربي الى شوارع الغرب الأوروبي الذي هندس وموّل ودعم الثورات الملونة في عالمنا العربي مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة. فمن فرنسا وإيطاليا وبروكسل في شمال أوروبا الى اسبانيا والبرتغال وألبانيا واليونان في جنوبها، اجتاح شباب أوروبا من الطلاب والعاطلين والمهمشين، شوارع مدنها وخاضوا أعمال عنف مع الشرطة تخللتها أعمال تخريب للمرافق والمؤسسات العامة والخاصة.
يمكنك أن تقول ما تشاء بشأن عود الثقاب الذي أشعل فتيل هذه الاحتجاجات. فبلدان القارة العجوز، باتت تنوء بثقل الأزمات التي فشلت نخبها الحاكمة على مدار السنوات العشرين الأخيرة في احتوائها، ومعالجة افرازاتها على الأقل، كي لا نقول جذورها. وهذا ما يُسَهِّل مهمة ضيوف البرامج السياسية الحوارية. فحيثما توجهت تحليلاتهم، سوف تصيب هدفاً واحداً على الأقل، لأن الغلة وفيرة وشاخصة لكل ذي عقل بصير.
ارتفاع جنوني في تكاليف السكن، وأزمة حادة في تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، وتدهور أوضاع التعليم العام. تآكل الثقة في النخب الحاكمة بعد أن ألغت جدول مواعيد تنفيذ التزاماتها الاقتصادية والاجتماعية الموصوفة في برامج حكوماتها. لقد أمكن ملاحظة ذلك من مرور سريع على الشعارات واللافتات التي رفعها المحتجون منددين فيها بالقادة السياسيين بسبب ما اعتبروه اهداراً للأموال العامة على الحروب والصراعات الخارجية بدلًا من توجيهها نحو أوجه الانفاق على الرعاية الاجتماعية الداخلية.
فيض من الاستياء العارم من فساد القلة الحاكمة التي آثرت تقديم مصالحها ومصالح الشركات وأصحاب رؤوس الأموال على مصالح البلاد ومواطنيها، كما حدث في ألبانيا مثلا، حيث توجهت الاحتجاجات مباشرةً نحو الحكومة ورئيسها تحديداً إيدي راما الذي يتهمه الشباب الثائرون بالضلوع في أخطر مؤامرة فساد في تاريخ البلاد. ففي أواخر عام 2024، منح هذا الألباني الذي يتفاخر بصهيونيته علناً أمام شعبه المسلم المتدين، موافقات وتسهيلات حكومية لتطوير مشاريع سياحية فاخرة بمليارات الدولارات لصالح شركة الاستثمار (Affinity Partners) التي يملكها جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب، ومنحهما صفة “المستثمر الاستراتيجي”، حصلا بموجبها على منطقتين ساحليتين استراتيجيتين هما جزيرة سازان
(Sazan island)، وهي جزيرة عسكرية سابقة مهجورة ذات موقع استراتيجي في البحر الأدرياتيكي، جرى تخصيصها لبناء منتجع سياحي فاخر، ومنطقة زفيرنيتش (Zvërnec) الواقعة على الساحل الجنوبي لألبانيا بالقرب من بحيرة “نارتا” المحمية بيئياً، حيث يخطط كوشنر لإقامة آلاف الغرف الفندقية والفيلات الفاخرة. ورغم اشتعال البلاد ودخولها في نفق الفوضى، يرفض راما الاستقالة ويتمسك بمنصبه وبعلاقته بكوشنر وإسرائيل.
في إسبانيا والبرتغال، ظهرت مخيمات احتجاجية ومظاهرات حاشدة في الشوارع، اعتراضًا على الارتفاع الصاروخي في أسعار الإيجارات، نتيجة لافساح الحكومة المجال أمام المستثمرين العقاريين الأثرياء الأجانب للمضاربة في العقار وبناء الأبراج، ما أفضى إلى نزوح السكان المحليين، بعد أن صارت أسعار العقارات لا تطولها أيدي المواطنين.
في فرنسا وبلجيكا واليونان، انتفض طلاب المدارس الثانوية والجامعات ضد اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص الحاد في المعلمين، وتهالك البنية التحتية، وخفض الميزانيات، وأنظمة القبول المفتقِرة للشفافية.
أما تضخم أسعار البنزين والديزل الذي قضم من الأجور الحقيقية، وقلص القدرة الشرائية، فقد دفع نقابات العمال والمزارعين للنزول إلى الشوارع والانضمام الى الطلاب في احتجاجاتهم.
سقوط آخر لماكينات الاعلام الغربي
لا تقارب الميديا الغربية التي تُعد جزءاً من النظام والطبقة السياسية الحاكمة، هذه الاحتجاجات بصورة معمقة ومحايدة. لأن الأمر يتعلق بتغيير النظام، إنما هذه المرة داخل بلدانها وليس خارجها كما هي (هذه الآلية) مصمَّمة “لإعادة الأمور الى نصابها”، حين يشعر حكّام أوروبا بأن نظاماً ما في بلدان الهامش، قد بدأ يشق عصا الطاعة عليهم. لكن مع اتساع نطاق الاحتجاجات، واغراق السوشيال ميديا بتغطياتها وفيديوهاتها، لم يعد اغماض العين وادارة الظهر عن الحريق المندلع في الفناء يهدد بالوصول الى داخل المنزل، ممكناً، لذلك اضطر بعض وسائط الاعلام الغربية لتخصيص مساحات من صفحاتها وشاشاتها لتغطيتها.
فلقد نشرت صحيفة ذي غارديان البريطانية يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مقالاً لكل من هاري تايلور و أشيفا قاسم تساءلا فيه: “لماذا يحتج الناس في مختلف أنحاء أوروبا؟ ليجيبا على سؤالهما بالإضاءة على ظروف المدارس، وغلاء السكن، وتكاليف المعيشة.. واشتباك طلاب المدارس الثانوية في فرنسا مع الشرطة في احتجاجات اتسمت بالعنف أحياناً، وذلك اعتراضاً على طول الساعات الدراسية، ونقص المعلمين وتهالك الفصول الدراسية، ونظام القبول الجامعي الذي يفتقر إلى الشفافية. مع تنويه الصحيفة الى أنه غالباً ما يفوّت الطلاب أشهراً من الدراسة بسبب عدم تعويض غياب المعلمين، قبل أن ينضم المزيد من الساخطين الى المتظاهرين للإعراب عن استيائهم من ارتفاع تكاليف المعيشة، بما في ذلك أسعار الوقود[1]“.
أخبار نورث إيسترن العالمية (Northeastern Global News – NGN)، النشرة الإخبارية والإعلامية الرسمية لجامعة نورث إيسترن الخاصة في بوسطن، ماساتشوستس، في الولايات المتحدة الأمريكية، دخلت أيضًا على خط التغطيات من زاوية مصلحتها في الاستقطاب الطلابي الأجنبي، فكتب تانر ستينينغ من بوسطن، وهو مساعد محرر أخبار في “نورث إيسترن غلوبال نيوز”، وجوناثان تشادويك مراسل “نورث إيسترن غلوبال نيوز” في لندن يوم 21 أكتوبر/تشرين الثاني 2026، مقالاً جيداً في النشرة الاخبارية الالكترونية للجامعة المذكورة، التي يقرأها حوالي 5 ملايين من الشخصيات المعروفة في أوساط التعليم العالي، والدوائر الأكاديمية، ومجتمعات العلاقات العامة في أمريكا وأوروبا. المقال حمل عنوانًا ملخصاً لما ورد في متنه: “القدرة على تحمل التكاليف، الفساد، والديون؟.. ما هي العوامل التي تقف وراء المظاهرات الحاشدة في أوروبا؟ وبحسب خبراء جامعة “نورث إيسترن”، فإن حالة الاستياء العام أدت إلى خروج مظاهرات حاشدة في أنحاء أوروبا، لكن القضايا المحركة لهذه الاحتجاجات تتفاوت من بلد إلى آخر[2]“.
(*) الزمكانية أو الزمكان “Spacetime”، نموذج رياضي رباعي الأبعاد يدمج أبعاد المكان الثلاثة (الطول، العرض، الارتفاع) مع بُعد الزمان في نسيج واحد رباعي الأبعاد. وقد طوره ألبرت أينشتاين في نظريتيه النسبية الخاصة والعامة في عام 1915 استنادًا الى أفكار هيرمان مينكوفسكي، ليُظهر أن الزمان والمكان ليسا مطلقين بل يتقاطعان ويتأثران بالكتلة والسرعة. كان هيرمان مينكوفسكي
(Hermann Minkowski, 1864-1909)، عالِم الرياضيات والفيزياء الألماني الروسي، قد طور في عام 1908، نموذج وحّد به نظريتي ألبرت أينشتاين – النسبية الخاصة والنسبية العامة – في مفصل متصلٍ واحد.
* الدكتور محمد الصياد خبير اقتصادي بحريني متخصص في العلاقات الاقتصادية الدولية. صدر له حديثاً كتاب “روسيا البوتينية وتكلفة الفرصة البديلة” عن دار “سكرايب”، 2026 القاهرة. كما صدر له ترجمة لكتاب الاقتصادي الأمريكي جوزيف ئي ستيغليتز المعنون “السقوط المدوي – الأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي. (الصورة): Shutterstock
