اقتصاد يئن.. نفوذ يتراجع وطبقة سياسية تكابر Previous item وَهنٌ على وَهنْ.. الأمومة... Next item خبث التاريخ: الربيع العربي...

اقتصاد يئن.. نفوذ يتراجع وطبقة سياسية تكابر

 

ألستير وارن كروك: “يمر الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة، بمرحلة من التراجع الحاد؛ وهو أمر يدركه الجميع خارج نطاق الغرب. أما في أوروبا، فلا يزال بعض قادتنا يعتقدون أن شيئًا لم يتغير، وإن الأمور يمكن أن تستمر كما كانت عليه في السابق…”

 

 

محمد الصياد*

جميع الدول الأوروبية المأزومة سياسياً، تمول انفاقها الجاري (وكذلك انفاقها الاستثماري) عجزياً، إما بالاستدانة المنتظمة أو بالتلاعب بأدوات السياسة المالية، لاسيما الضرائب والرسوم. ولذلك فهي مديونة بأكثر من طاقتها الإنتاجية السنوية لاجمالي الناتج المحلي.

بالأرقام، سنجد مثلًا أن ديون فرنسا قد بلغت 3595,5 مليار يورو (ما يعادل 3,60 تريليون دولار تقريبًا) في نهاية الربع الثاني من عام 2026، بينما قدر اجمالي ناتجها المحلي بما يعادل 3,55 تريليون دولار تقريبًا، بحسب صندوق النقد الدولي (موقع: meter World). واعتباراً من سبتمبر/أيلول 2026، بلغ الدين العام لفرنسا 119% من ناتجها المحلي الإجمالي، وفقًا لبيانات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية. كذلك الحال بالنسبة لإيطاليا التي من المتوقع أن يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي الإسمي في 2026، حوالي 2.70 تريليون دولار، بينما بلغت نسبة دينها العام الى الاجمالي في منتصف 2026، حوالي 139.9% (وفقاً لبيانات يوروستات المسجلة في نهاية الربع الثاني من عام 2026).

بلجيكا أيضا بلغ اجمالي ديونها حتى مارس 2026، 706.58 مليار يورو (حوالي 791.65 مليار دولار)، مقابل اجمالي ناتجها المحلي المقدر بلوغه نهاية 2026، بحوالي 772.7 مليار دولار، بنسبة دين الى اجمالي الناتج ستتراوح ما بين 109.1 و109.8 نهاية العام. وهذه النسبة في اسبانيا والبرتغال واليونان هي 101.4%، و90%، و140.8% على التوالي.

ما هي ترجمة هذه الأرقام؟ صحيح أن الدول لا تفلس كما هو حال الشركات والأفراد، لكن تخطيها لطاقتها التمويلية الذاتية، نتيجة لاقتراضها أكثر مما تجنيه من حصيلة اجمالي ما تنتجه من السلع والخدمات، يقربها من حالة العجز عن سداد ديونها (Debt Default)، وهو التعبير المعادل للإفلاس في حالة الشركات والأفراد. يحدث ذلك نتيجة لتراكم الدين والوصول الى عدم القدرة على سداد خدمة الديون (الأقساط + الفوائد) في مواعيد استحقاقها، بسبب نفاد العملات الأجنبية، أو تدهور الإيرادات العامة للدولة. فتتبدى النتيجة الموصلة لهذا المآل المحتم (عدم القدرة على سداد الأقساط والفوائد)، تدهوراً للعملة المحلية وارتفاعاً متداعياً في معدلات التضخم، واغلاقاً مؤقتاً للبنوك، مصحوباً بفرض قيود صارمة على سحب الأموال وتحويل العملات الأجنبية.

حتى قبل الوصول الى مرحلة التوقف عن السداد (Default)، سوف تبدو الدولة المعسرة كما لو كانت مغلولة اليدين، لا تملك رفاهية المفاضلة بين تمويل الانفاق الجاري (المعادل لعملية إعادة الانتاج البسيطة، أي التي لا تخلق فائضاً تراكمياً يسمح لها ببعض الفسحة الانفاقية الاستثمارية، أي تمويل المشاريع، بعد تأمين دورة انفاقها الجاري المعتاد) وبين الانفاق الاستثماري الذي ستتلبسه حالة هي أقرب الى اليُتم.

لم تعد أفريقيا متاحة لفرنسا كما في السنوات المائتين الأخيرة (إذا أخذنا احتلالها للجزائر في 1830، كسنة أساس “Base year”، وفاتحة احتلالاتها لبلدان القارة الافريقية). فقد خسرت فرنسا مالي والنيجر وبوركينا فاسو والغابون، وجمهورية افريقيا الوسطى وغينيا. حتى الآن لم تفقد أوروبا بلدان القارة الافريقية بصورة كلية، إنما خسرت الهيمنة المطلقة على ثرواتها التي لطالما تمتعت بها طوال الفترة الممتدة من احتلال بلدان القارة الى فترة ما بعد منحها استقلالها السياسي الصوري، أمنت الحكومات الأوروبية خلالها جميع احتياجاتها من المعادن والمواد الخام الثمينة بأسعار بخسة، وغذت بها صناعاتها القديمة والجديدة. لكن، منذ بضع سنوات هذا الامتياز أصبح في خبر كان، فقد شهدت القارة موجة من طرد للنفوذ الفرنسي والأمريكي، وظهور دول منافسة جديدة، مثل الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج العربية.

في التحليل الأخير، يحضر الاقتصاد ليقول كلمته الفصل في القراءة “الغائرة” لتجدد ثورة بركان أوروبا. وأزعم أن عاملين رئيسيين، حاسمين، قد شكلا عود الثقاب أو صاعق التفجير لموجة الإحتجاجات التي اجتاحتها منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول 2026. هذا العاملان هما:

(1) خسارة أوروبا للغاز والنفط الروسيين اعتباراً من مارس/اذار 2022، في أعقاب العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا التي انطلقت في 24 فبراير/شباط 2022. فقد كانت “معجزة” النموذج التنموي الألماني، معتمدة أساساً ا على استيراد الغاز الروسي الرخيص التي كانت روسيا توفره لألمانيا وعدد من بلدان أوروبا مثل فرنسا وإيطاليا واسبانيا والنمسا وهنغاريا وبلغاريا وفنلندا. فقد استفادت بلدان أوروبا من الخصم الذي كانت تحصل عليه من روسيا  لوارداتها من الغاز الروسي، والذي وصل الى أكثر من 30% من القيمة التي يباع بها لبقية بلدان العالم، في بناء صناعات تصديرية تمتعت بتنافسية سعرية مريحة في الأسواق العالمية. عقوبات الاتحاد الأوروبي على الغاز والنفط الروسيين وحظر استيرادهما، أنهى النموذج التنموي الألماني وألحق أضراراً بالغة بالدول الأوروبية الأخرى التي كانت تتمتع بهذا الامتياز.

(2) انقطاع امدادات النفط والغاز التي كانت تصل الى أوروبا من دول الخليج العربية بعد اغلاق مضيق هرمز، وهو ما أدى الى انقطاع ثاني مصدر امدادات النفط لأوروبا من دول الخليج العربية بعد خسارتها، بمحض إرادتها، لامدادات النفط الروسية. هذا أدى الى تكبد بلدان الاتحاد الأوروبي خسائر بلغت نحو 78 مليار دولار تكاليف إضافية لاستيراد النفط والوقود والغاز الطبيعي المسال عبر البحر. كما أدى ارتفاع سعر برميل خام برنت الى ما فوق المائة دولار، إلى ارتفاع أسعار الغاز والنفط في أوروبا بنسبة 70% و50% على التوالي. وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي كان قد بدأ تقليل اعتماده على النفط الخام الروسي المباشر (مع استثناءات للدول الحبيسة مثل المجر وسلوفاكيا)، إلا أنه ظل عرضة لمخاطر كبيرة فيما يتعلق بشحنات المنتجات النفطية المكررة مثل الديزل والكيروسين ووقود الطائرات والغازولين، وكذلك الغاز الطبيعي المسال، القادمة لأوروبا من الشرق الأوسط، مما اضطرها للجوء إلى سلاسل توريد أطول وأكثر تكلفة من منطقة الخليج، مثل الولايات المتحدة وشمال أفريقيا (ليبيا والجزائر)، وغرب افريقيا (نيجيريا وأنغولا)، وكازاخستان وأذربيجان، والبرازيل وغويانا، إلى جانب اللجوء إلى مخزوناتها الاحتياطية.

بعد هذا، سوف ننهي هذا العرض بما قاله بشأن هذه الدول الأوروبية التي دار عليها الزمان وأضحت معطوبة نتيجة عوامل تعرية مادية محتمة، ألستير وارن كروك، الدبلوماسي البريطاني السابق والمسؤول السابق في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) والسلك الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي، ومؤسس ومدير “منتدى النزاعات” (Conflicts Forum) الذي يتخذ من بيروت مقرًا له؛ وهي منظمة تدعو إلى الانخراط والحوار بين الإسلام السياسي والغرب. يقول كروك:

“لقد فقد الغرب أسسه الاقتصادية، وباتت مدفوعات الفوائد على الديون الأمريكية تتجاوز ميزانية الدفاع، كما أصبح النظام المالي بحاجة إلى اقتلاعه من جذوره وإعادة بنائه من جديد إلى حد كبير؛ هذا فضلًا عن خسارة الغرب لحروبه، وعجز الطبقة السياسية عن إيجاد لغةٍ تصارح بها شعوبها بالحقيقة. يمر الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة، بمرحلة من التراجع الحاد؛ وهو أمر يدركه الجميع خارج نطاق الغرب. أما في أوروبا، فلا يزال بعض قادتنا يعتقدون أن شيئًا لم يتغير، وإن الأمور يمكن أن تستمر كما كانت عليه في السابق. لكنهم سيدركون الحقيقة قريباً. والسؤال هنا: هل الولايات المتحدة، وهل الغرب عموماً، مستعدون للبدء بعملية تكيف، وتوضيح الأمر لناخبيهم وشعوبهم بأن الغرب لم يعد القوة المهيمنة، وإن الغرب لم يعد “الأول بين متساوين؟”، بل سيصبح مجرد قوة واحدة من بين قوى أخرى عديدة. هل سينجحون في إدارة هذا التحول؟ وكيف سيتعاملون معه؟ إن هذا يقودنا إلى الجانب الآخر من المسألة، وهو السبب الذي دفعني للقول بأن البنية القائمة تنهار؛ إذ لا توجد حلول للتناقضات الاقتصادية. فهذا الاقتصاد ينطوي على تناقضات جوهرية أدت إلى نشوء واقع اقتصادي ثنائي القطب: ثروات طائلة، بل ومبهرجة  تتركز في يد فئة معينة في قمة الهرم المالي، في مقابل الفقر المدقع وانعدام الأمان الاقتصادي أو ما أسميه “العيش على الحافة” لبقية العالم. فكيف يمكن تغيير هذا الوضع؟ يتطلب الأمر اقتلاع النظام المالي من جذوره والبدء من جديد؛ فلا يمكن القضاء على هذا الخلل بمجرد محاولة العودة إلى الوراء. لقد ولّى ذلك العصر – سواء ما قبل عام 2008 أو ما تلاه – الذي اتسم بأسعار فائدة صفرية، وتوافر الاقتراض للجميع، وتشجيع البنوك على منح الائتمان؛ فقد انتهى بنا المطاف إلى جبل من الديون، مع عجز فعلي حتى عن سداد فوائدها. ففي الولايات المتحدة، تتجاوز فوائد هذه الديون إجمالي ميزانية الدفاع؛ إنها مبالغ ضخمة للغاية، وهذا مجرد احتساب للفوائد، دون التطرق إلى سداد أصل الدين نفسه! كما أن جزءًا كبيرًا من هذه الديون يحتاج إلى إعادة جدولة وتمويل جديد، تماماً كما يحدث عند انتهاء فترة سداد قرض عقاري؛ إذ يتعين عليك البدء بإعادة التمويل، ليأتيك الرد: عذراً، لقد حصلتم سابقًا على أسعار فائدة ميسرة للغاية، أما الآن فستكون التكلفة أعلى بكثير. وهذا بالضبط ما يحدث في أوروبا، وبالتأكيد في الولايات المتحدة. لذا، فإن هذا الهيكل، هذا البناء بأكمله، قد انهار بفعل الحروب. والإجابة على سؤالك هي: هل الغرب قادر نفسياً، أولًا وقبل كل شيء، على فهم ذلك، وقبوله، ثم إيجاد سبيل للخروج منه، وإعداد شعوبه للشعور بأن هذا الوضع ضائع، وإنها كارثة، وإنه يتعين علينا إيجاد حل؟ وهذا يعني الاستسلام لروسيا[1]“.

باطمئنان، سنتطوع للإجابة على استفسارات ألستير كروك المطلع على بواطن الشأن الدولي، لاسيما ما يتعلق منه بأوروبا والولايات المتحدة، بالزعم بأن الطبقة السياسية الأوروبية القابضة على مفاتيح السلطة والثروة، لن تعترف بالوقائع المستجدة على الأرض، وستواصل سياساتها المدمرة في الداخل والخارج، بغطرسة وعدوانية أكبر؛ وإن الاحتجاجات التي تعصف اليوم بعدد من بلدان القارة العجوز، سيجري قمعها بعنف إن امتلكت طاقة توليدها وتزخيمها الداخلية ورفعت وتيرتها. فما هو مسموح به من هامش تعبير وتظاهر واضراب، له حدود لا تسمح الطبقة السياسية الحاكمة، على الجناحين، اليميني بجميع تلويناته، واليساري الليبرالي بمختلف تياراته، بتجاوزها، فسرعان ما ستسفر هذه النخبة الممسكة بزمام السلطة والثروة، عن وجهها الحقيقي، وتقمع بشراسة تلك “التجاوزات” الاحتجاجية.

فالطبقة المسيطِرة والمتوارِثة للسلطة والثروة في بلدان الاتحاد الأوروبي، تحوطت لهذا الأمر جيدًا حين أجمعت في عام 2006 على انشاء قوة مسلحة سرية تحت مسمى قوة الدرك الأوروبية
(European Gendarmerie Force – EUROGENFOR)، كجهاز عسكري أوروبي سري. هذه القوة التي يقع مقرها الرئيسي في مدينة فيتشنزا الإيطالية، داخل ثكنات “تشينوتو” (Chinotto)، والتي تضم كلًا من إيطاليا (قوات الكارابينييري)، وفرنسا (قوات الدرك)، وإسبانيا (الحرس المدني)، والبرتغال، وهولندا، ورومانيا، وبولندا؛ إضافة الى ليتوانيا كشريك، وتركيا كمراقب، مخصصة لقمع الاحتجاجات في حال خرجت عن السيطرة.

لقد أُنشِئت هذه القوة الأمنية السرية للاتحاد الأوروبي، خصيصًا لمثل هذه الأوقات التي يفيض فيها السخط الشعبي عن طاقة الدول الأعضاء على احتوائه والسيطرة عليه. إنها قوة تدخل سريع لـ”استعادة النظام”. أي؛ دكتاتورية “متزنرة” بكامل عدتها العسكرية.

 

 

 

 

 

* الدكتور محمد الصياد خبير اقتصادي بحريني متخصص في العلاقات الاقتصادية الدولية. صدر له حديثاً كتاب “روسيا البوتينية وتكلفة الفرصة البديلة” عن دار “سكرايب”، 2026 القاهرة. كما صدر له ترجمة لكتاب الاقتصادي الأمريكي جوزيف ئي ستيغليتز المعنون “السقوط المدوي – الأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي“. (الصورة): Shutterstock