محمد الصياد*
بين الحين والآخر، تظهر أصوات تنتمي على الأرجح، الى ما تسمى اللجان الإلكترونية تحاول “تبييض” وجه السياسة الخارجية الصينية في بعض القضايا الدولية التي تشكل احراجًا متماديًا للرئيس الصيني شي جين بينغ ولحزبه الشيوعي الحاكم، لاسيما قضية الإبادة الجماعية التي تعرض لها أبناء غزة والضفة الغربية على أيدي حكومة بنيامين نتنياهو وطغمته الصهيونية، بدعم لا محدود من الدول الغربية.
مع أن مفردة “اللجان”، صارت تتردد كثيرًا في السنوات القليلة الماضية على ألسنة عديد الاعلاميين ومحللي المنصات الاعلامية السياسية ومدونات البث الصوتي (Podcast) في عالمنا العربي، للدلالة على مجموعات إعلامية منظمة تعمل عبر الإنترنت لتوجيه الرأي العام أو الدفاع عن الموقف الرسمي للحكومات السائدة؛ الا أن فكرة الجيش الالكتروني، كانت ممارسة مطبقة على نطاق واسع في الدول الغربية منذ مطلع القرن العشرين. تضخم عملها إبان الحرب الباردة، في صورة ما تسمى لجان الدعاية التي تعمل على تشكيل وإعادة تشكيل الرأي العام الغربي والعالمي، قبل أن تتطور الى وسائل اعلام الكترونية وجيوش الكترونية وفرق عمل متخصصة في الحرب النفسية، مكرِّسة أوقاتها وعملياتها الدعائية السرية والمموهة لدعم التحالف الغربي ومناهضة الروايات المعادية في الخارج.
ومع انطلاق شبكة الانترنت، بدأت وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات الأمريكية تجربة عمليات نفسية منظمة عبر الإنترنت في تسعينات القرن الماضي وأوائل الألفية الثانية، مستخدمةً المنتديات والمواقع الإلكترونية للتأثير على السرديات الأجنبية الذائعة. في المقابل، ظهر الاستخدام الواسع النطاق للجان الإعلام الإلكتروني المنسقة، و”الجيوش الإلكترونية”، وشبكات التضليل الإلكتروني المدعومة من حكومات بعض بلدان العالم النامي لاحتواء السخط الشعبي وحرف بوصلته.
هذه اللجان أضحت بديلًا “ديناميكياً” لوزارات الاعلام والواجهات الاعلامية الرسمية النمطية في الدول النامية، كما كان عليه حال بدايتها في الدول المتقدمة. وهي موجودة في كلا المعسكرين: معسكر الأحادية القطبية بقيادة الولايات المتحدة، ومعسكر التعددية القطبية بقيادة الصين وروسيا. تنشط هذه اللجان كمجموعات منظمة تعمل عبر الإنترنت لتوجيه الرأي العام أو الدفاع عن الموقف الرسمي للحكومات السائدة. وغالبًا ما تُدار هذه المجموعات عبر حسابات وهمية أو “ذباب إلكتروني”، تنشط، كما أُجَرَاء العمل، لنشر معلومات موجهة أو تلميع صورة الجهة الراعية، أو مهاجمة الخصوم وتشويه الحقائق.
في 18 يونيو/حزيران 2026، أطلق أحد هؤلاء “مقذوفاً” على منصات التواصل، زعم فيه أن إسرائيل قررت تصنيف الصين رسميًا كدولة معادية للسامية، وإنها لذلك تدعو العالم لفرض مقاطعة سياسية واقتصادية شاملة على الصين. وسرعان ما تلقف بعضهم هذا الخبر الملفق، وراح ينشره على نطاق واسع.
أما الواقع فإن وسائل الإعلام الصينية الرسمية ومنصات التواصل الاجتماعي بدأت بصورة ملحوظة، منذ بدء الهجمة البربرية الإسرائيلية على قطاع غزة، في توجيه انتقادات لاذعة وغير مسبوقة لإسرائيل وحكومتها، ما دفع الأخيرة للتعبير عن استيائها الشديد من المواقف الدبلوماسية لبكين، إلا أن الحكومة الإسرائيلية لم تتبنَّ سياسة رسمية أو تصنيفاً رسمياً يُصنِّف الصين كدولة معادية للسامية.
ويبدو أن هذه الإشاعة التي تم تداولها على نطاق واسع، استندت إلى تحريفات واسعة النطاق على الإنترنت لتقرير صادر عن معهد سياسات الشعب اليهودي (Jewish People Policy Institute- JPPI). وهو تقرير سلط الضوء على تصاعد العداء لليهود الصهاينة في الخطاب العام الصيني، لكنه لم يتضمن تصنيفاً رسمياً أو دعوة حكومية لمقاطعة سياسية لبكين.
سوف تتضح عدم صحة الاشاعة سريعاً ما أن يشرع الباحث في اجراء تحقيق بسيط في أمرها. فما المراد من اطلاقها وترويجها إذن؟
الهدف، كما أسلفنا، هو محاولة وقف سيل الأسئلة الحائرة بشأن موقف الصين الصامت، حد التواطؤ، على جرائم حكومة نتنياهو وعصابته الحاكمة في إسرائيل. أو أن مروجيها يمنون النفس بأن تتجرأ بكين وتخرج عن صمتها إزاء ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة على أيدي الصهاينة؛ أو أن يكون الهدف المضمر للذين يقفون وراء ترويج الإشاعة، احراج القيادة الصينية واجبارها على التحرك.
في حقيقة الأمر؛ فإن إعلامياً صينياً في شبكة تلفزيون الصين الدولية (CGTN) كان يقدم تحليلًا للأحداث في المنطقة العربية وجوارها “غرب آسيا” (الشرق الأوسط بحسب السردية الاستشراقية)، فقال في معرض تعليقه الغاضب على ما قامت به إسرائيل من جرائم في قطاع غزة، بأن “جماعات ضغط قوية من اليهود في الولايات المتحدة مسؤولة عن تشكيل موقف واشنطن من أزمة الشرق الأوسط، وإن اليهود يهيمنون على قطاعات التمويل والإعلام والإنترنت في الولايات المتحدة“.
لكن هذا كان يوم 19 مايو/آيار 2021، حين قتلت إسرائيل بغارات جوية وحشية استمرت 11 يوما، من 10 الى 21 من ذلك الشهر ، أكثر من 200 فلسطيني.
يومها، أي في نفس يوم 19 مايو/آيار 2021، أصدرت السفارة الإسرائيلية في بكين بيانا وجهت فيه اتهامًا لشبكة CGTN التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية الرسمية، بـ”معاداة السامية الصارخة”. وقالت السفارة في بيانها: “إنّ الادعاءات الواردة في الفيديو عنصرية وخطيرة، ويجب على أيّ وسيلة إعلامية تحترم نفسها تجنّبها”.
حينها انتقدت الصين الولايات المتحدة لعرقلتها إصدار بيان مشترك في مجلس الأمن الدولي، ودعت إلى تطبيق حل الدولتين. كما دعا وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إلى وقف فوري لإطلاق النار من كلا الجانبين، وإلى رفع إسرائيل حصارها عن قطاع غزة في أسرع وقت ممكن. كما عرض استضافة مفاوضين إسرائيليين وفلسطينيين في الصين لإجراء محادثات سلام مباشرة.
العدوان الإسرائيلي البربري المتواصل على الشعب الفلسطيني، وتغطية واشنطن له، أثار سخطًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، حيث صب المغردون الصينيون جام غضبهم على إسرائيل وأمريكا، في تعاطف واضح غير مسبوق مع الفلسطينيين.
هذا، على أية حال، موقف الصين الرسمي من قضية الصراع العربي الصهيوني. وهذا هو سقفه الذي لم تتجاوزه منذ عدة عقود. فلن تجد بين بيانات أو تصريحات كبار المسؤولين الصينين، أي نوع من أنواع النقد، لا لنتنياهو ولا لحكومته، على جرائمهما التي حركت حتى بعض القادة في عدد من الدول الغربية، الذين لم يترددوا في توجيه انتقاداتهم المباشرة لنتنياهو وتحميله المسؤولية الشخصية على جرائم الإبادة التي ارتكبتها وترتكبها القوات الاسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية. هذا ينطبق على اسبانيا وبلجيكا اللتين انضمتا رسميا للدعوى المرفوعة ضد بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت (وزير الدفاع الإسرائيلي السابق)؛ الى جانب هولند وآيسلندا اللتين تقدمتا رسميًا بطلب الانضمام للدعوى، وأيرلندا التي أعلنت عزمها الانضمام للدعوى.
أيادي روسيا المغلولة
موقف رئيس الصين، شي جين بينغ، من جرائم نتنياهو وإسرائيل، هو ذاته موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد كاشفت، بخصوص هذا الأمر، بعض الأصدقاء الروس المنتمين لأوساط الأكاديميا وبعض قطاعات الأعمال. وحين حاولوا تبرير مواقف بلادهم من جرائم نتنياهو وحكومته النازية التي ارتكبوها في غزة والضفة الغربية ولبنان، قلت لهم دعونا نتفحص معًا، مدى إمكانية قيام الرئيس بوتين وطاقمه الحكومي بالتفوه، ولو بكلمة زجر أو نقد واحدة، تجاه صديقه نتنياهو؟ بل دعونا نفحص، وإياه، مدى قدرته على التحدث، ولو في العموم، عن جرائم إسرائيل في قطاع غزة. هل بوسعه فعل هذا الأمر؟ هنا لاذ الجميع بالصمت، فكسرت الصمت بالقول، إنني انتهيت للتو من تأليف كتاب عنوانه “روسيا البوتينية وتكلفة الفرصة البديلة”، ضمنته بعض الحقائق حول سبب هذا الموقف وغيره من المواقف التي خذلت فيها روسيا من كانت تعتبرهم أصدقاء أو حلفاء، بما يشمل ذلك عدم قدرتها على حسم الصراع سريعاً مع أوكرانيا.
الكتاب يعرض لبعض الوقائع التي تشير الى وجود لوبي يهودي صهيوني قوي بالغ النفود، متغلغل داخل مختلف مؤسسات الدولة الروسية، لينهض – بالاضافة الى دودة الفساد التي عادت للنخر مجددًا في جسد الكيان الروسي – سببين رئيسيين لبقاء روسيا الرسمية (البوتينية) مغلولة الأيدي إزاء استحقاقات محلية ودولية حالّة، أي تتصف بصفة الاستعجال، الذي يُعتبَر التلكؤ في الاستجابة لها، نوعًا من التفريط في المصلحة القومية الروسية والقرار الوطني السيادي الروسي.
مخاتلة صينية
الأمر نفسه ينطبق على الصين. في التمظهر العام للسياسة الخارجية الصينية – في النظر والممارسة – تبدو الصين مخاتِلة أكثر من روسيا فيما يتعلق بقضية الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية تحديداً. فالانطباع العام السائد لدى الرأي العام العربي، أن الصين تدعم القضية الفلسطينية وتتخذ موقفا معادياً لإسرائيل، باعتباره تداعياً طبيعياً لعدائها للولايات المتحدة. لكنك حين تغوص في بحثك عن حقيقة الموقف الصيني المائل نحو “الغموض البديع”، تحصيلًا لغاية التضليل، فيما خص قضايا عديدة، ومنها على نحو خاص القضية الفلسطينية، فإنك ستذهل وتصاب بالصدمة.
خلاصة البحث حول الاقبال الصيني الفائض على التعاون مع إسرائيل، تقود الى أن الصين سعت منذ تتويج علاقاتها الاقتصادية السرية مع إسرائيل بإقامة علاقات دبلوماسية في 1992، الى الالتفاف حول قيود التصدير التي تفرضها الولايات المتحدة على تصدير التكنولوجيا المتقدمة والأسلحة المتطورة الى الصين، من خلال استيرادها من إسرائيل التي تسعى من جانبها للحصول على تزكية شرعية من دولة عظمى بحجم الصين.
بلغ إجمالي قيمة التبادل التجاري بين الصين واسرائيل (باستثناء الماس) في عام 2024، 16.276 مليار دولار، بزيادة قدرها 11.7% مقارنة بعام 2023. وبحسب المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي، فقد سجلت الواردات الإسرائيلية من الصين في نفس العام، ارتفاعا نسبته 20%، بقيمة اجمالية بلغت 13.517 مليار دولار، فيما انخفضت الصادرات الإسرائيلية إلى الصين، وفقا لمعهد دراسات الأمن القومي الاسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، بنسبة 16.5%، إلى 2.759 مليار دولار. وبخلاف التجارة، فإن الصين اندفعت بقوة للاستحواذ (Acquisition)، والاستثمار المباشر (FDI) في قطاعات اقتصادية إسرائيلية حيوية، لاسيما قطاع التكنولوجيا والبنية التحتية، من نقل وموانىء وتوليد كهرباء، إضافة الى قطاعي الزراعة والعقار.
وبحسب المعهد الأمريكي لأبحاث السياسة العامة (American Enterprise Institute)، فقد تركزت استثمارات الصين الرئيسية في إسرائيل خلال الفترة من 2005 الى 2023، في قطاعات الكيماويات الزراعية (3.77 مليار دولار)، والموانئ (1.7 مليار دولار)، والصحة (750 مليون دولار). كما استثمرت الصين في قطاعات التكنولوجيا، والاتصالات، ومحطات الطاقة، والأنفاق، والنقل، والتمويل، والصناعة[1]. على سبيل المثال، في أبريل/نيسان 2016، وصل وفد من المدراء التنفيذيين للشركة الدولية الصينية “فوسين” إلى إسرائيل لعقد صفقة شراء شركة مستحضرات التجميل وعلاجات العناية بالبشرة، “أهافا” (AHAVA)، حيث تم توقيع اتفاق بيع الشركة بنحو 290 مليون شيكل (حوالي 76 مليون دولار أمريكي) يوم الأحد 10 أبريل/نيسان 2016.
بهذا المعنى، تذهب الفرضية الأكثر رجاحةً، الى أنه، لا الصين ولا روسيا، هما في وارد التدخل المسؤول لوقف جرائم الإبادة التي تنفذها إسرائيل في فلسطين المحتلة. فمصالحهما العميقة مع الكيان، تمنعانهما من ترجيح كفة العدالة التي تتغنيان بها في بياناتهما المشتركة بشأن نظام التعددية القطبية الذي تدعوان اليه، وامتشاق قيم الشهامة والشجاعة وترجيحها على كفة مصالحهما.
روسيا متورطة تاريخياً في المسألة اليهودية، منذ أن أنشأ الخزر كيانهم في جنوب شرق روسيا وأوكرانيا في أواخر القرن السادس الميلادي، واعتنق ملكهم بولان وقادتهم الدين اليهودي رسميًا في منتصف القرن الثامن الميلادي (حوالي عام 740م)، لتفادي حرج ومخاطر الانحياز لصالح الخلافة الإسلامية أو الامبراطورية البيزنطية. وهو ما مكّنهم من انشاء كيان يهودي خزري فرض سيطرته على طرق التجارة بين بحر قرزوين والبحر الأسود؛ قبل أن ينجح الأمير الروسي، ملك كييفسكي روس، أو دولة الروس الكييفية (نسبة الى مدينة كييف العاصمة الأوكرانية الحالية)، سفياتوسلاف الأول ( 943-972 م)، في القرن العاشر الميلادي (تحديداً في السنوات الأربع التي استغرقتها الحرب، من 965 الى 969)، في القضاء على هذا الكيان، وإجبار سكانه على الفرار للمناطق المجاورة والانسلال بين مجتمعاتها أو الهجرة الى بلدان أوروبا الشرقية.
أما الصين، فقد بقي النفوذ الصهيوني فيها لعقود طويلة، تمتد من أيام الإمبراطوريات القديمة، لاسيما إيام حكم أسرة تانغ (618-907م)، وأسرة سونغ (960-1279م)، وما بعد الثورة الشيوعية بقيادة ماو تسي تونغ في 1949. حيث ازداد نشاط الحركات الصهيونية مثل حركة “بيتار”، خصوصا في مدينة هاربين عاصمة مقاطعة هيلونغجيانغ في أقصى شمال شرق الصين، ومدينة شنغهاي، كبرى مدن الصين من حيث عدد السكان، وعاصمتها الاقتصادية، ومركزها المالي والتجاري العالمي. وقد خصصتُ فصلًا لهذا الموضوع في كتابي المشار اليه آنفا، سيكون مثيراً للجدل هو الآخر، بسبب ما استقر في الذهنية العربية من اعتقادات نمطية، غير نقدية، بشأن الصين عمومًا وسياستها الخارجية على نحو أخص.
[1] لمزيد من الإطلاع انظر:
Yitzhak Shichor, Out of Proportion: Israel’s Paradox In China’s Middle Eastern Policy, 18 February 2025,
* الدكتور محمد الصياد خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية. صدر له ترجمة لكتاب الاقتصادي الأمريكي جوزيف ئي ستيغليتز المعنون “السقوط المدوي – الأسواق الحرة وغرق الاقتصاد العالمي“. (الصورة): Shutterstock
