علي عبدالله خليفة: أصالة الشعر والفعل Previous item من معركة"قادش" الى حرب...

علي عبدالله خليفة: أصالة الشعر والفعل

 

“من النادر ان تجد من بين المثقفين من يجمع بين  الابداع الأصيل،

شعراً أو سرداً أو نقداً  وبين حس المبادرة والتواصل وانشاء المؤسسات وادارتها”

 

 

محمد فاضل العبيدلي*

في العام 1979 جمعتني المصادفة في القاهرة بمثقف سوداني أدهشني اطلاعه الواسع والعميق على الحركة الأدبية في البحرين عندما راح يتحدث عن أسماء وتجارب وعناوين بإسهاب ينم عن متابعة دقيقة. لقد اثار ذلك الاطلاع فضولي، فسألته عن مصدر هذا الاطلاع الواسع على حركة أدبية في بلدٍ صغير من أطراف الوطن العربي لا من قلبه ولا مراكزه الكبرى. قال ان الفضل يعود لمطبوعة بحرينية متخصصة تصل السودان بانتظام إسمها “كتابات” يحرص على اقتنائها ولا يفوت عدداً منها. زاد بإيضاح صغير: “المجلة التي يرأس تحريرها علي عبدالله خليفة“.

وفيما سيلي من السنوات ستقع أعداد من هذه المجلة بين يدي وسأعبُر من خلالها بوابة أُطِلُ منها على الحركة الأدبية في البحرين، بل إنني اصبحت أتردد على المكان الذي تُحرر فيه هذه المجلة، أعني مكتبة “دار الغد” في تلك البناية الصغيرة المقابلة لمقبرة المسيحيين واليهود والمقر القديم لنادي النسور في القضيبية (قبل ان يتحول إسمه الى النادي الأهلي) وعلى مقربة من مطعم أمين الشهير. هناك كنت أزور من حين لآخر الصديق العزيز عبدالقادر عقيل مدير تحرير تلك المطبوعة التي مرت مثل نجم أضاء سماء الابداع الثقافي البحريني وانطفأ.

لكن تلك لم تكن المرة الأولى التي يطرق فيها إسم علي عبدالله خليفة أسماعي، فما أن نطق ذلك المثقف السوداني بالإسم حتى انتابني احساس مازلت أجاهد في وصفه بدقة عندما وجدت ذهني يأخذني بعيداً الى ليلةٍ من ليالٍ صيفيةٍ بعيدة غائرة في ذاكرة قيظ البحرين. ليلةٌ تتداخل فيها أصوات الشارع بأصوات آتية من بيوت الجيران، أجد نفسي فيها مستلقياً على سرير خشبي واطىء على سطح بيتنا وبقربي مذياع صغير ينساب منه صوت دافىء بتأنٍ وتُؤدة يرددُ أبياتَ شعرٍ بعامية نُقشت كلماتها بجمال وعذوبة. وعندما ينتهي فاصل الشعر، يختم الصوت الدافىء نفسه البرنامج على وقع تقاسيم عود من تأليف الفنان الراحل يوسف فوني[1]: “ظمى/ا الأوتار”.

هكذا، هيأني الشعر والصوت المنساب بعذوبة عبر الأثير  مذ كنت يافعاً للقاء لاحق سيأتي بعد سنوات. واذ كنا في العام 1979، كانت قد مضت ثلاث سنوات على صدور “كتابات”، وفي العام التالي 1980 كنت قد أسررت لأبوفهد في أول تعارف عن لقائي ذاك مع المثقف السوداني وملاحظاته عن “كتابات”.

كيف كان التعارف؟ اذا حاولتم الآن ان تتذكروا علي عبدالله خليفة، فمن المؤكد انكم لن تتذكروا إلا وجهاً تكلله ابتسامة عريضة. ابتسامته التي تسبق سلامه دوماً وستتذكرون تحياته التي يلقيها بتهذيب جم وأساريره المكللة بالبِشرِ دوماً ويدٌ تصافحك بحرارة وقوة تشعرك بأنك عزيز. كان ذاك لقائي الأول به وبقي كما هو بكل هذه التفاصيل كلما إلتقينا على مر السنوات. أعدت عليه وقائع لقائي مع المثقف السوداني، فشرح لي انه كان يشارك في مؤتمر أدبي في القاهرة أو بيروت ولم يكن قد مضى الكثير على مولد مجلة “كتابات”، فبادر بتعريف من التقاهم في المؤتمر بالمجلة وقام بترتيب إرسالها الى السودان ودول عربية أخرى.

من سيتحمل جهدا وعناء مثل هذا؟ أعني المبادرة بافتتاح دار نشر ثم إصدار مجلة متخصصة في نشر نتاجات مثقفي البحرين ثم السعي لنشرها وتوزيعها وخلق جسور تواصل مع مثقفين عرب في دول عربية؟ إننا نتحدث عن منتصف السبعينات من القرن الماضي، اي الوقت الذي لم يكن فيه ربع الامكانات المتوفرة حالياً متاحاً في ذلك الوقت. الوقت الذي كان فيه علي عبدالله خليفة واحداً من وجوه “الموجة الجديدة” من أدباء البحرين الذين كان غالبهم يتلمس طريقه في الشعر والقصة والنقد. سيعطينا هذا الحس العملي الملح الأول والأهم في شخصية الراحل ابوفهد: “صاحب مبادرة”.

من النادر ان تجد من بين المثقفين من يجمع بين الابداع الأصيل، شعراً أو سرداً أو نقداً وبين حس المبادرة والتواصل وانشاء المؤسسات وادارتها بفعالية. وفي مسيرته الممتدة لأكثر من نصف قرن، لم تتوقف مبادرات أبوفهد عند هذا الحد، بل انه اختط سيرة متخمة بالأدوار الريادية على المستوى المحلي والاقليمي والدولي.  لقد ذهبت جهوده الى مدىً أوسع نطاقاً واكثر فعالية عندما أدار لسنوات وبفعالية مركز التراث الشعبي لدول الخليج الذي اتخذ من الدوحة مقرا له وصولاً الى تدشين وادارة ارشيف التراث الشعبي في البحرين. وما بين هذه المؤسسات، ترأس الراحل لأكثر من دورة أسرة الأدباء والكتاب التي كان واحداً من مؤسسيها واخيراً وليس آخراً تأسيسه للـ”الملتقى الثقافي الاهلي” في النادي الأهلي الذي غدا لاحقاً مركز عبدالرحمن كانو الثقافي. يضاف الى هذا، المناصب الرسمية التي تقلدها مثل منصب مدير ادارة الثقافة والفنون ومديراً للبحوث الثقافية بالديوان الملكي.

اما على المستوى الدولي فقد قاده اهتمامه بالفنون والثقافة الشعبية الى ان يصبح في مايو/أيار  2007 اميناً عاماً مساعداً لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمنظمة الدولية للفن الشعبي التابعة لليونسكو. كما أسس في البحرين المكتب الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمنظمة الدولية للفن الشعبي في سبتمبر/أيلول 2007. وفي العام نفسه، أسهم في تأسيس مهرجان الفنون الشعبية العالمية بالتعاون مع وزارة الإعلام بمملكة البحرين، كما أسس في البحرين “أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر”.

بمثل هذه السيرة، لن تقاس الانجازات بالدواوين التي اصدرها وهي عديدة ما بين العامية والفصحى، ولا باوراق العمل التي شارك بها في مؤتمرات ولا بالابحاث التي انجزها فحسب، بل بالتأثير الاوسع مدى والأكثر فعالية وهو خلق مؤسسات وأدوات تستفيد منها أجيال متعاقبة من المبدعين من الكتاب والباحثين والمثقفين، وهو تأثير يصعب قياسه وحصره احياناً.

في حياته وعندما يرحل المبدع الأصيل، يترك وراءه أعمالاً تتحول الى أعمال كلاسيكية عابرة للأزمان تمثل جذوة متوهجة تتناقلها أجيال متعاقبة لتصبح ذاكرة متجددة. لقد حول عدد من فناني البحرين قصائد لعلي عبدالله خليفة الى أغنيات غدت من كلاسيكيات الأغنية البحرينية وهي عديدة مثل “غناوي الشوقلهدى عبدالله و”بسك من الروحات” للراحل علي بحر وفرقة “الإخوة”، “يا عبيدلخالد الشيخ، “عصفور” لهدى عبدالله ايضاً، “يا بوالفعايل يا ولد” و”نار النشامى” لفرقة “أجراس”، “غني يا عصفورة شعرلأحمد الجميري لحناً وغناءً وغيرها. ستتبدى اصالة شعره أيضا عندما نقشت قريحته في ذاكرتنا ووجداننا قصائد من بين افضل ما كتب عن المحرق، تلك المدينة الساحرة التي تنام في أحضان البحر وتجيد صنع الحكايات والأساطير التي خلدها بشعر العامية والفصحى، فقال فيها بشعر العامية:

لي قالوا شتحب في محرق / أقول أعشق ولا أفسر..

إذا أرض الغلا شبت/ وهي بالحب تحضني..

أنا ما اسكن محرق/ترى إهي اللي تسكني..”..

 

وببلاغة اكثر فصاحة وإحساس يثير  من الاشجان والحنين ما سيدفع العبرات من المآقي عندما تنساب الكلمات بصوت الفنانة هدى عبدالله:

“يا حبيبي سوف أحكي لك عن ليل المحرق..

حين يخلو من جموعٍ تنزوي في كل مفرق..

تقطع الوقت باوهام وأحلام..

وتطرقُ كل بابٍ للدعابات وأشجان الحديث..

حينما يخلو من الناي المؤرق..

في الليالي المُقمِرات

يسكبُ اللحن الحزين

طارقاً كل الحواري والجهات

يا أساطير الخليج..

لي فيكِ عِبرةٌ عند الختام

عن جزاء الصَبرِ للقلبْ المُحّرَقْ..”..

 

 

 

[1] حسب الملحن البحريني الاستاذ احمد سيف فان يوسف فوني الذي كان يعد أفضل عازف عود في البحرين وقتذاك هو من وضع موسيقى برنامج “ظمى/ا الاوتار” الذي كان يقدمه الراحل علي عبدالله خليفة من اذاعة البحرين ويقدم فيه قراءات من شعره المكتوب العامية.

 

 

*محرر المدونة.  (الصورة: مصطفى يحي بستكي)