مملكة القصب: الطفولة بمواجهة الدكتاتورية Previous item الليبرالية الغربية تزيح...

مملكة القصب: الطفولة بمواجهة الدكتاتورية

.. ترى ما الذي سيدفع طفلة صغيرة في التاسعة من عمرها لكل هذا العناء لإعداد كعكة وتجاوز احزانها سريعاً لموت الانسان الوحيد الباقي في حياتها؟ لإكمال مهمة تم تكليفها من قبل معلم فظ لإعداد كعكة للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس؟..

 

محمد فاضل العبيدلي*

 

بلوحات جميلة للطبيعة الساحرة لأهوار جنوب العراق وزوارق المشاحيف تتهادى في مياهها الزرقاء وانوار قناديلها تلمع في اركان المشهد، يستهل المخرج حسن هادي فيلمه “مملكة القصب” بجرعة مريحة للحواس، سرعان ما سيتبدد مفعولها عندما تذهب الصغيرة  لميعة (بنين احمد نايف) في اليوم التالي للمدرسة.

الإنتقال صادم ما بين مشاهد إستهلالية تصور حياة ريفية بسيطة وسط مياه الأهوار وبيوت القصب وعجوز  (وحيدة ثابت) تمارس حياتها اليومية مع حفيدتها وبين المشاهد اللاحقة. فما ان تدخل الصغيرة  لميعة في اليوم التالي للمدرسة إلا وتسري جرعة من الكآبة ببطء الى نفوس المشاهدين. الفصل الضيق المكتظ بالبنات والاولاد، الثياب الرثة ومعلم يتحدث بخشونة. يبلغهم ان أمامهم مهمة كبرى هي الاعداد للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس الذي تملأ صوره المدرسة. وقبل ان يبدأ في توزيع الادوار عن طريق القرعة على الصغار، يقدم فاصلاً من الرعب عندما يعيد تذكير صبي (أراد اعفاءه من هذه المهمة لفقر عائلته) بما جرى لصبي آخر كتب فيه المعلم تقريراً فتم سحل أهله. ويتوجه للصغار من التلاميذ وهو يسألهم: “هل تريدون ان اكتب في احدكم تقريراً؟ ويتم سحل أهله؟”.

يقدم فاصل الرعب هذا الرسالة الأهم للفيلم: الطفولة في مواجهة الدكتاتورية. من هنا، من المدرسة يتم تطويع عقول الصغار على الخضوع والإمتثال الذي يتسلل الى عقول الصغار وذويهم عبر الخوف، الذي يغدو في المجتمعات التي تئن تحت وطأة الاستبداد الغراء الذي يمسك بمجتمع بأكمله.

حسب القرعة، يصبح إعداد كعكة ميلاد الرئيس من نصيب الصغيرة  لميعة التي سيتعين عليها اعداد الكعكة في ظرف يومين فقط. خلال هذين اليومين اللذان سيأخذان الجدة وحفيدتها  لميعة الى المدينة بحثاً عن مكونات الكعكة من السكر والطحين النادرين بسبب الحصار، ستتبدى صورة مجتمع منهك آخذٌ في التداعي جراء الحرب والحصار والوطأة الثقيلة للدكتاتورية التي يرزح تحتها.

لا يعرض الفيلم لذلك النوع من المشاهد التي اعتدناها في الافلام التي تتناول الدكتاتورية، فلا عسكر  يعتقلون الناس في الشوارع أو ينفذون إعدامات، لا معاملة قاسية للسكان ولا مشاهد قمع علنية، بل اننا نتلمس الحضور الثقيل للدكتاتورية منذ فاصل الرعب في صف المدرسة، وصور الرئيس المنشرة في كل مكان وفي كل مظاهر الحياة اليومية وفي التفاصيل الصغيرة لرحلة الجدة بيبي وحفيدتها للمدينة.

تبدأ رحلة المدينة بقصة جندي شاب، يستقل سيارة الاجرة مع بيبي ولميعة ويضع ضمادة على احدى عينيه. يتحدث مع السائق فيبلغه انه كان يعد نفسه منذ شهور لهذه الرحلة لكي يذهب ويتزوج غداً، لكنه تعرض بالأمس فحسب لشظايا قنبلة من قصف امريكي لقاعدتهم فأصيبت عينه. تصل  الجدة وحفيدتها للمدينة وتتجول في السوق قبل أن تشتري فستاناً لحفيدتها من فرشة للملابس المستعملة. تتوجهان الى مطعم صغير تقابل فيه الجدة إمرأة من معارفها. تتفق الجدة والمرأة في المطعم على ان تنتقل رعاية الطفلة  لميعة الى المرأة وعائلتها لعدم قدرة الجدة على الاستمرار في رعايتها بعد ان فقدت مورد رزقها من أرض كانت تزرعها في الاهوار. ترفض لميعة الاتفاق وتتمسك بالعيش مع جدتها وتهرب من المكان. تنطلق بيبي خلف حفيدتها لكنها تفقد أثرها.

وفيما تسير  الطفلة  لميعة دون هدي في الشوارع حاملة الديك “هندي” وحقيبتها، تلمح زميلها في الفصل سعيد (سجاد محمد قاسم) ووالده الذي كان يستجدي المارة. يترك سعيد والده ويرافق لميعة في بحثها عن مكونات الكعكة. تكشف جولة الصغيرين والمشكلات التي يقعان فيها، ملمحاً من ملاح الخراب الروحي الذي حل بالعراق في تلك السنوات. فالصغير سعيد يتحايل على بائع عجوز لكي يسرق قليلا من السكر والطحين وينتهي الأمر بانكشافه ومطاردة البائع العجوز له وللميعة. اما جدل الصغيرين لميعة وسعيد حول مشروعية السرقة من عدمها، فلا يكشف عن تدهور في القيم بات يجيز السرقة تحت وطأ الحاجة، بل انه شاهد آخر على مفاعيل الخوف عندما يغدو الدافع الوحيد الذي يجعل فتاة في التاسعة من عمرها؛ تتكبد كل هذا العناء لاعداد كعكة لاحتفال تقيمه مدرستها بعيد ميلاد الرئيس.

أما محاولة بائع طيور بلسان معسول إغواء الصغيرة عازماً انتهاك براءتها، فيوسع نطاق وطأة الاستبداد وتردي القيم عندما يجعل الدكتاتورية وضحاياها من الافراد مشتركين في جرم انتهاك براءة الطفولة.

يصل الفيلم ذروته بموت الجدة في المستشفى  لينقل جثمانها الى قريتها بالأهوار وتُدفن ليلاً بحضور الحفيدة لميعة والجيران من أهل القرية. هنا لم نشاهد لميعة تبكي جدتها بل تنتقل الكاميرا مباشرة من المقبرة ومراسم الدفن الى مشهد الجارة التي تطوعت لإعداد الكعكة. هذا الانتقال قد يكون اخطر ما في الفيلم؛ اذ ان إعداد كعكة لاحتفال مدرسي أمر أكبر من أحزان بنت في التاسعة من عمرها. إنها مهمة تستدعي ان يحل احد ما مكان من مات لاكمال المهمة دون إبطاء لتقديم الكعكة في موعدها.

ترى ما الذي سيدفع طفلة صغيرة في التاسعة من عمرها لكل هذا العناء لإعداد كعكة وتجاوز احزانها سريعاً لموت الانسان الوحيد الباقي في حياتها؟ لإكمال مهمة تم تكليفها من قبل معلم فظ لإعداد كعكة للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس؟  إنه “الخوف”. الخوف الذي لم أبقى ملامح وجهها محايدة وحبس دمعها اثناء دفن جدتها. الخوف الذي جعلها تُصر على اكمال المهمة رغم كل المشكلات التي صادفتها في المدينة أثناء بحثها مع جدتها عن قليل من السكر والطحين.

بهذه التفاصيل الصغيرة، اوصل الفيلم رسالته الأهم عن العراق في تلك السنوات، بلد أنهكته الدكتاتورية والاستبداد الى أقصى الحدود بحيث اصبح الخوف هو الدافع الوحيد للناس والغراء الذي يمسك بمجتمع وبلد بأسره.

اكثر ما يلفت في هذا الفيلم هو الأداء المذهل للطفلة بنين احمد نايف وقدرتها على اظهار مشاعرها في تعابير وجهها بشكل تلقائي. لقد وقع عبء الحكاية والفيلم على كاهل هذه الصغيرة لتوصل للمشاهدين رسالة وحيدة من بين تفاصيل وصور متلاحقة لمجتمع انهكته الحروب والحصار والدكتاتورية التي تجثم على صدره.  طفلة غير محترفة استخرج منها مخرج الفيلم أفضل ما فيها: أداء عفوي مذهل تنسى معه احيانا انك تشاهد فيلماً.

اما كاميرا المصور تيودور باندورو، فقد تكفلت بالجزء الآخر من  المهمة عندما اظهرت بحساسية عالية مشاهد متضادة ما بين المشاهد الخلابة للأهوار بمياهها الزرقاء واضواء المشاعل على الزوارق وما بين المشاهد الباعثة على الكدر في مشاهد زواريب السوق واحياء المدينة ومركز الشرطة والممرات الضيقة للمستشفى المتهالك الذي يَغصُ بالمرضى في كل ارجائه. لقد رسمت مشاهد الأزقة الضيقة للسوق والألوان الكالحة التي غلب عليها اللون البني إيحاءاً بصرياً بمتاهة ضاعت فيها خطى الصغيرة لميعة وهي تجري مع رفيقها سعيد او تمشي فيها دون هدي. تتضاعف جرعة هذا الايحاء واحساس الضياع عندما تصور الكاميرا  لميعة تسير على الجسر  أعلى النهر، فيما الكاميرا تبتعد للأعلى لترسم لقطة طويلة تؤكد احساس الضياع الذي يلف بطلة الفيلم مع تضاؤل أحجام السيارات العابرة والمارين على الجسر.

فيلم جميل ومشوق يحكي بالصورة وببراءة طفلة، الوطأة الثقيلة للخوف عندما يغدو الدافع الوحيد لسلوك الناس في مجتمع وبلد تجثم على صدره دكتاتورية بغيضة. بداية موفقة للمخرج حسن هادي الذي يضع قدميه على خريطة السينما العراقية والعربية بجدارة.

 

 

 

 

*محرر المدونة. (الصورة): صفحة الفيلم على موقع IMDB