“هجرة” للمخرجة شهد أمين: الهجرة مقابلاً للحياة Previous item علي عبدالله خليفة: أصالة...

“هجرة” للمخرجة شهد أمين: الهجرة مقابلاً للحياة

 

محمد فاضل العبيدلي*

 

تفتتح الكاتبة والمخرجة السعودية شهد أمين فيلمها “هجرة” بهروب بنت مراهقة اثناء رحلة للحج مع جدتها وشقيقتها، لتأحذ المشاهدين في رحلة مع الجدة وحفيدتها الصغرى للبحث عن الحفيدة الهاربة تقود الجدة والمشاهدين معاً في رحلة إبحار في الذاكرة.

ستغدو رحلة الجدة (خيرية نظمي) رفقة حفيدتها الصغرى جنى (لامار فادن) أداة لرحلة أكبر وأكثر عمقاً تغوص لا في تاريخ العائلة الذي سيكشف هروب الحفيدة الكبرى سارة (رغد بخاري) أبرز ما فيه من عوار وخلل فحسب، بل ستأخذنا في رحلة أخرى تستعيد فيها الجدة طفولتها عندما تتداعى ذكريات رحلتها للحج قبل عقود طويلة وهي طفلة صغيرة رفقة والدها.

في بعدها المكاني والزمني، تتجه رحلة الجدة وحفيدتها الصغرى “جنى” شمالاً للبحث عن سارة الهاربة عكس وجهتهما الأصلية جنوباً، هنا تغدو رحلة البحث عن فتاة مراهقة هاربة، مجازاً لرحلة تقود الجدة في اتجاه معاكس، الى طفولتها هي عندما تستعيد وقائع رحلتها الى الحج رفقة والدها الذي أوصاها قبل موته بأن تواصل الرحلة أيا كان الثمن. تبدأ رحلة البحث عن الحفيدة الهاربة عندما لا تجد الجدة مفراً من ان تستقل وحفيدتها الصغرى سيارة نصف نقل يقودها شاب يدعى أحمد (نواف الظفيري). يبدو اللقاء لا مفر منه لسيدة تريد وبشدة مواصلة رحلة لا تدري كيف ستنهيها للبحث عن حفيدتها الهاربة وشاب يوالي رحلة صغيرة من رحلات البحث اليومية عن لقمة عيشه.

المصاعب التي تواجهها الجدة رفقة الشاب وسيارته المتهالكة والأعطال التي تجبرهما على اللجوء لسكان احدى القرى الذين يستضيفون الجدة وحفيدتها بترحاب، تهيء المشاهد لمحطة هامة من محطات الرحلة عندما تستعيد الجدة ذكرياتها عن قرية صغيرة مرت بها وهي طفلة صغيرة مع والدها في طريقهما للحج وتوفي ودفن فيها. هنا تبلغ الرحلة المعاكسة للجدة [نحو طفولتها] ذروتها عندما تدخل مع حفيدتها لمقبرة القرية لزيارة قبر والدها. هنا يكشف الستار عن الهجرة الاولى عندما تبوح الجدة لحفيدتها ان أسرتها التي قدمت من خارج البلد دفنت عميدها في ترابه وواصلت رحلتها نحو الحج. أما مشهد نساء القرية اللواتي استنكرن وجود الجدة وحفيدتها في المقبرة وطردنهن منها، فهو ليس تذكيراً بالتقاليد الصارمة التي تمنع النساء من زيارة القبور يأتي في سياق طبيعي لسردية الفيلم فحسب، بل جرسُ تنبيهٍ مدوٍ للعودة من الماضي الى الحاضر، الى الراهن أي الى الرحلة الاساسية، رحلة البحث عن الحفيدة الهاربة.

تصل رحلة الجدة منتهاها بنبأ العثور على الحفيدة الهاربة سارة التي وصلت الى منزل والدها المنفصل عن والدتها. بهذه النهاية، يختتم الفيلم رحلات عدة متداخلة تلاقت مع بعضها وربطت مصائر اصحابها لبرهة قبل ان تتفرق بهم السبل. فالسائق الشاب أحمد انتهت رحلته بالقبض عليه بتهمة الاقامة غير الشرعية، والجدة عادت الى حياتها الطبيعية بعد ان اطمأنت على حفيدتها ولو الى حين.

مع غزارة تفاصيله وتعدد محطات حكايته، يقدم الفيلم سرداً سلساً ومتماسكاً يقوم على مجازات موحية حول الهجرة من معناها الحسي الملموس في رحلة البحث عن الحفيدة الهاربة الى معانيها المجازية أكانت هجرة نحو الذات (الهجرة الى ذاكرة الجدة) او بحثاً عن لقمة العيش (هجرة أحمد وتحايله على القوانين) او حتى هروب الصغيرة من مشكلات عائلتها الى والدها. كل هذه المعاني تجتمع في “حكاية/ات” الفيلم لتجعل فعل الهجرة مقابلاً للحياة نفسها. عند هذا الحد، تلهمني حكاية الفيلم ومجازاتها لأن أزيد موضحاً: “كلنا سنهاجر يوما”، تماماً مثلما قال الكاهن لمصطفى سعيد الشاب الصغير في القطار المتجه الى مصر: “كلنا سنسافر وحدنا يوماً يا بني” في رائعة الطيب صالح “موسم الهجرة الى الشمال”.

جاءت سلاسة السرد متضافرة مع كاميرا حساسة قدمت غالب مشاهد الفيلم في مشاهد جميلة جعلتها أقرب للوحات. فبعد مشاهد عادية لزحام المدينة في اللقطات الافتتاحية لهروب الحفيدة سارة، تتعامل الكاميرا بشكل مختلف مع مشاهد الصحراء والبلدات حيث تعتمد اللقطات الطويلة التي تظهر وبمهارة تدرجات الألوان ما بين الجبال والوديان والصحاري وهي تتماهى مع اللحظات الدرامية في السرد. ففي أحد مشاهد الرحلة، تواصل الجدة رحلة البحث بعد إصلاح اعطال سيارة احمد التي تظهر وهي تسير متهادية ببطء في بؤرة المشهد فيما الكاميرا تبتعد  والسيارة تتضاءل وسط مساحات فراغ هائلة من الرمال الصفراء والجبال الصخرية الرمادية في إيحاء بصري بليغ لضآلة الإنسان أمام الطبيعة وكأن السيارة تسير في فراغ هائل يوحي بالتِيه.

أبقت المخرجة نهاية مفتوحة لفيلمها مع مشهد موت الجدة، فبقدر ما يبدو الموت جزءاً متمما لرحلة منهكة جسديا ونفسياً، بقدر ما سيندفع المشاهد لطرح التساؤلات وتقليب الاحتمالات والتفسيرات لهذه الخاتمة المحزنة.

حكاية جميلة وسيناريو كُتِب باتقان لفيلم تم تنفيذه باحترافية عالية إستحق معها جائزة النخلة الذهبية للأفلام السعودية لمهرجان الأفلام السعودية في دورته الثانية عشرة، وبجدارة.

 

 

 

*محرر المدونة. (الصورة): صفحة الفيلم على الموسوعة العالمية للسينما IMDB