محمد فاضل العبيدلي
أقدم معاهدة سلام في التاريخ بين بلدين تعود لحقبة ما قبل الميلاد بين ملك الحيثيين في سوريا والاناضول خاتوشيلي (هاتوسيلي) الثالث والملك رمسيس الثاني ملك مصر والتي تم توقيعها بعد معركة “قادش” التي عُدت معركة غير محسومة، اي لم يكن فيها طرف حقق نصراً ساحقاً ولا طرف تلقى هزيمة نكراء.
هذه المعاهدة التي تم توقيعها عام 1259 ق.م، قدمت النموذج الأول المثالي لسلوك بشري ما زال قائما حتى اليوم. لقد احتفظ كل ملك بنسخة من المعاهدة، لكن نسخة ملك الحيثيين تقول ان ملك مصر رمسيس الثاني هو من طلب الهدنة والسلام، فيما نسخة رمسيس الثاني تقول ان ملك الحيثيين هو من طلب ذلك.
هكذا، فعندما تستمع للمتحدثين الامريكيين والايرانيين منذ الثامن من ابريل/نيسان، ستدرك ان السياسيين لم يتغيروا كثيراً منذ معاهدة قادش تلك. وثمة مفارقة هنا هي ان حرب الأربعين يوماً بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة أخرى هي حرب غير محسومة تماماً مثل معركة قادش. واذا كان كلا الطرفين يدعي النصر فمن هو الخاسر؟ سيعيد السؤال التذكير بأن قياس النصر والهزيمة سيبقى امراً نسبياً مرهوناً بحسابات الربح والخسارة مثلما هو الحال في كل ما يتعلق بالسياسة والحرب.
غير انني اترك جردة الحساب للاقتصاديين والخبراء الذين سيعيدون التأكيد على جملة من الحقائق التي توضح ان الحروب على مر التاريخ تخاض للأسباب نفسها التي لا تتغير: الموارد والثروات، والحقيقة الاكثر ايلاماً: الخسارات تتضح بعد الحرب.
لكن هناك حقائق اخرى جديدة تستحق التوقف اظهرتها هذا الحرب بجلاء هي تلك المتعلقة بدول الخليج العربية.
لقد غيرت هذه الحرب تلك النظرة النمطية التي ينظر بها العرب والعالم لدول الخليج العربية، أعني تلك النظرة التي تختزلهم في شعوب مرفهة ودول تملك جيوشاً للاستعراضات وتعتمد على حماية الغرب. اظهرت هذه الحرب ان جيوش دول الخليج قادرة وبكفاءة عالية على التعامل مع اي تهديد لأمن هذه الدول. فلقد أظهرت اسلحة الدفاع الجوي في هذه الدول كفاءة عالية واحترافية في التصدي للصواريخ والمسيرات الايرانية وبنسب نجاح عالية جداً.
ففي البحرين، وعدا استمرار الحياة الطبيعية، كنا نتابع اصداء انفجار الصواريخ والمسيرات في الجو ونحن نمارس حياتنا الطبيعية بل واحيانا ونحن مسترخون او نائمون بكل اطمئنان. كانت جدران البيوت تهتز احيانا من موجة انفجار ناتج عن تصدٍ ناجح ٍ لصاروخ أو مسيرة، لكن هذا لم يكن ليمثل اي قلق، اللهم الا القلق من سقوط بقايا الصواريخ او المسيرات على المناطق المأهولة بالناس. العبرة هنا: عندما تشعر بالاطمئنان بأنك في مأمن وسط الحرب، فهذا يعني الثقة في من يقوم بحمايتك، والثقة لا تأتي الا بتجربة تثبت الجدارة.
وفي غمرة المخاوف والقلق من تبعات ضرب محطات الطاقة وتحلية المياه، تذكر الخليجيون ان هناك ربطاً كهربائياً بين دولهم الست تم انجازه منذ سنوات، وان هناك تدابير واحتياطات للطوارىء تتعلق بالمياه من شأنها توفير الطاقة والمياه بشكل آمن. اما مسارات تصدير النفط البديلة بعيداً عن هرمز عبر البحر الاحمر وبحر العرب، فقد اظهرت بجلاء أن ما كان يبدو في وقته تكاليف غير ضرورية هي في الواقع أسس تحول استراتيجي وفر حصانة امام خطر اي تهديد بخنق اقتصادي.
ذكرتني هذه الحقائق بالسنوات الاولى من عمر مجلس التعاون، اي في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، عندما كان الخليجيون ما يزالون يستقبلون اخبار اجتماعات الخبراء واللجان المتخصصة في المجلس بفتور ودون اهتمام بل وبتشكك. لكن ولأن الحروب والكوارث تمثل لحظات حقيقة، ادرك الكثيرون الآن فحسب، ان العمل الهادىء دون صخب او ضجيج أثمر انجازات نوعية ليس آخرها شبكة الكهرباء الخليجية الموحدة أو مظلة التأمينات الاجتماعية الموحدة ولا الجمارك الموحدة وغيرها من الاتفاقيات. وعندما كان يعاب على دول الخليج في السنوات الماضية انفاقها على صفقات التسلح، اعادت الحرب التذكير وبقوة بحقيقة ان الازدهار الاقتصادي والسلم يتطلب دوماً قوة تحميه.
ان منطقتنا ما تزال تحظى بالثروات والازدهار الاقتصادي رغم المصاعب الاقتصادية التي تبطىء من وتائر النمو، لكن هذه الحرب كشفت حقيقة أخرى هي محاولات توريط دول المنطقة في حرب ليست حربها، طمعاً في نهب ثرواتها عبر صفقات التسلح وكبح وابطاء نموها الاقتصادي في مساع لا تتوقف لفرض هيمنة اقتصادية على المنطقة.
معاهدة “قادش” موجودة في مقر الامم المتحدة باعتبارها اثراً تاريخياً لأول معاهدة في التاريخ، لكن الولايات المتحدة وايران لن توقعا اتفاقية او معاهدة وتودعانها في الامم المتحدة، لأنهما لا يتفاوضان على سلام دائم بل على صفقة صعبة المنال.
