رأس الحربة الأطلسية الموجهة لروسيا Previous item "الكواد كابتر" التي تحصي... Next item ما وراء "صحوة" الأوروبيين...

رأس الحربة الأطلسية الموجهة لروسيا

 

محمد الصياد*

قبل بضعة أيام، كنت أستمع الى إذاعة “بي بي سي”، وإذا بإعلان عن مقابلة ستجريها المحطة الإنجليزية مع رئيس الوزراء الروسي السابق ميخائيل ميخائيلوفيتش كاسيانوف. كنت أقود السيارة، فآثرت الوقوف على جنب والانتظار لسماع ما سيقوله كاسيانوف، ومعرفة آخر “محطة” أوصلته اليها ضغائنه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ولبلاده. بعد بضع دقائق أجريت المقابلة، ولم أُفاجأ حقيقةً بما سمعت منه، فالسقوط في بئر الخسة والنذالة ليس له قرار.

أفهم وأتوقع أن المحطة الإنجليزية، وهي، الى جانب وكالة أنباء رويترز، تشكلان جزءاً لا يتجزأ من جهاز المخابرات البريطانية الخارجية (MI 6)ستدير الحوار مع كاسيانوف بعقليتها الجاسوسية وخلفيتها الدعائية، وتُوجهه في الاتجاه المنحوت على مقاس السياسة الخارجية البريطانية.

لكن، أن تتطوع شخصية تنسب نفسها للمعارضة الروسية لنظام الرئيس بوتين، وكانت يوما تشغل أرفع منصب في البلاد بعد منصب الرئاسة، لتحريض الغرب على ممارسة أقصى الضغوط على روسيا وعلى رئيسها من أجل هزيمتهما، فهذا رقم قياسي جديد يسجله كاسيانوف في سقوطه الحر في الدرك الأسفل من التآمر على بلاده وخيانتها في وضح النهار.

يسأل المذيع كاسيانوف عما إذا كان الاقتصاد يضغط على بوتين (هو يقصد بطبيعة الحال حِزم العقوبات الاقتصادية والمالية الغربية المفروضة على روسيا)؟ فيجيبه كاسيانوف: “لا، ليس تماماً، بوتين يشعر أنه في وضع اقتصادي جيد”. فيسأله وكيف السبيل لتغيير ذلك؟ فيجيبه بلا تردد، بأن “ذلك يمكن أن يحدث اذا زادت النفقات على الإيرادات، في حال قامت الدول الغربية بخفض سقف بيع النفط الروسي من السقف الذي حددته سابقاً وهو 60 دولاراً للبرميل الى 45 دولاراً على سبيل المثال (بالمناسبة، قرر الاتحاد الأوروبي في اليوم التالي خفض سقف بيع سعر برميل النفط الروسي من 60 الى 47.6 دولار، وهو السعر الذي يمكن لموسكو أن تحصل عليه لقاء بيع النفط، من خلال منع شركات الشحن والتأمين التي تتعامل معها من خدمة الصادرات التي تتجاوز هذا المبلغ). ثم أردف قائلاً: “يجب على الولايات المتحدة أن تصعد الى السفينة الى جانب كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا لمواجهة روسيا بصورة قوية والا فإن بوتين لن يكتفي بضم أوكرانيا ودول الاتحاد السوفييتي السابقة”.

لقد شغل ميخائيل كاسيانوف منصب رئاسة وزراء روسيا من سنة 2000 إلى سنة 2004، وقد كان حليفاً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قبل أن يتحول الى أحد أشهر معارضيه. وهو يتزعم، منذ عام 2012، حزب حرية الشعب. لكن اتهامات بالفساد كانت قد طالت كاسيانوف إبان رئاسته للحكومة، إذ قيل إنه كان يحصل على 2% عمولة للتغاضي عن إتخاذ أي قرارات قانونية ضد الرشوة والمشاريع التجارية غير القانونية التي تنخرط فيها الشركات الروسية. وقيل إن هذا هو سبب اقدام الرئيس بوتين على اقالته من رئاسة الحكومة في 24 فبراير/شباط 2004، بعد قضائه 3 سنوات في منصبه.

ومن موقع الخصومة الشخصية مع الرئيس بوتين، اختار معارضة الغزو الروسي لأوكرانيا. بل إنه توجه في مايو/آيار 2022 (أي بعد مرور حوالي شهرين على بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا)، الى ريغا عاصمة جمهورية لاتفيا، إحدى جمهوريات البلطيق الثلاث (الى جانب ليتوانيا وإستونيا) التي تناوئ روسيا عداءً كبيراً، ليتخذ منها مركزاً لمساعدة الغربيين على توجيه دقة التصويب على المناطق الرخوة في النظام الروسي التي توجع الرئيس بوتين.  ففي مايو/آيار 2022 هرب من موسكو الى فيلنيوس عاصمة ليتوانيا ليشارك في منتدى مناهضة روسيا الثامن، إلى جانب كل من ميخائيل خودوركوفسكي، الرئيس السابق لشركة يوكوس الروسية العملاقة للنفط والغاز، الذي يحمل الجنسية الاسرائيلية ويتعاون مع أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية ضد روسيا؛ ورئيس مركز الأبحاث الأمريكي “فريدوم هاوس”، ورئيس إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الحكومة الأمريكية، وآخرين. كان الهدف من ذلك التجمع المخابراتي، وضع استراتيجية لكيفية “نزع بوتينية” روسيا و”القضاء على الدب الروسي”، أي فلاديمير بوتين.

وقد استغرق الأمر (كما هي عادة جهاز البيروقراطية الثقيل للدولة الروسية)، أكثر من سنة، كي تفيق وزارة العدل الروسية وتتنبه لخطورة المؤامرات التي يحيكها كاسيانوف مع بعض أفراد الطبقة الأوليغارشية، الصهاينة والروس، ضد روسيا في الخارج، حيث أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، اضافة اسم كاسيانوف إلى قائمة “العملاء الأجانب”.

معروف عن الشعب الروسي، على اختلاف قومياته وأعراقه وإثنياته، توحده عند الشدائد والشعور بالخطر الخارجي الداهم. على ذلك، دلت تجارب الماضي والحاضر، كما حدث حين اضطرت روسيا للتحرك وقائيا في أوكرانيا، لوقف زحف حلف الناتو على حدودها الذي بدأ فور تفكيك الاتحاد السوفييتي. حيث التف الروس حول قائدهم الرئيس بوتين الذي ارتفعت شعبيته من 60% قبل العملية العسكرية في أوكرانيا، الى 85% بعدها. وقد لاحظت هذا أيضا في إيران حين كنت هناك إبان الأيام الإثني عشر للحرب العدوانية التي شنتها اسرائيل على إيران، حيث توحد الجميع سلطة ومعارضة ضد اسرائيل، وهو ما نفتقده للاسف الشديد في عالمنا العربي.

 

ما يتعدى رأس بوتين

ميخائيل كاسيانوف، ليس معارضاً روسياً كلاسيكياً. إنه رأس حربة في الحرب الأطلسية الإعلامية والنفسية التي يشنها حلف الناتو ضد روسيا حتى بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي وتنصيب بوريس يلتسن رئيساً لروسيا الاتحادية. هذا الرجل يعلم أكثر من غيره، أن المطلوب ليس رأس الرئيس بوتين، وإنما روسيا بأكملها. هذا حلم الأنجلوسكسون الذي لم يغادروه يوما. نعم هم يسعون للتخلص من الرئيس بوتين، فقط باعتباره عقبة أمام هدفهم الأصلي، وهو الفوز بالجوهرة: روسيا ذات المساحة البالغة 17.1 مليون كيلومتراً مربعاً، وخيراتها التي لا حدود لها.

كاسيانوف ليس حالة فردية، هناك الكثيرون من أمثاله، من كبار المسؤولين السابقين الذين أسفروا عن وجوههم الحقيقية قبل وبعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. أناتولي تشوبايس، مهندس بيع الأصول الروسية في المزاد بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي، وعرّاب الرأسمالية بنسختها الروسية الرثة، وأحد أكبر المقربين من الكرملين الذي كان همزة وصل بين الكرملين والغربيين حين كان يشغل منصب رئيس مجلس إدارة شركة روس نانو الفاشلة (من 2008 الى 2020)، هو الآخر، انحاز لولائه الأصلي لإسرائيل التي فرّ اليها في ديسمبر/كانون الأول 2022 مع زوجته وحصلا معا على الجنسية الإسرائيلية، حيث إن والدته الليتوانية، يهودية. وهناك خودوركوفسكي اليهودي الصهيوني الذي استولى على الصناعة النفطية الروسية بعد تفكيك الاتحاد السوفييتي، ومجاميع كبيرة من المسؤولين والأوليغارشيين الروس الذي نهبوا ثروات البلاد وسيّلوها وحولوها الى ودائع في بنوك أوروبا وأمريكا وجزر الملاذات الضريبية، واشتروا لأنفسهم ولعائلاتهم قصوراً ويخوتا فارهة، وعاثوا بهذه الأموال فساداً قل نظيره في جزر وعواصم أوروبا الغربية، قبل أن تتحول الأخيرة الى قوة طاردة لكل ما هو روسي، وتستولي على كل هذه الثروات بضربة واحدة قاصمة.

هل الكرملين غافل عن الأمواج العالية المتلاطمة التي باتت تقترب أكثر فأكثر من جدرانه؟ لا أحد يعلم ما الذي يفكر فيه الرئيس. فالغموض سيد الموقف، فلا يمكن الخروج بأي شيء ذي بال من تصريحات طاقم حكومته وطاقمه الإداري. فهؤلاء لا يجرأون على البوح بما يعلمون، وكل أحاديثم الصحفية، بما فيها تلك الصادرة من وزير الخارجية سيرغي لافروف والمتحدث الرسمي باسم الكرملين ديمتري بسكوف، تصريحات جوفاء، لا تقول شيئاً مفيداً، لأن شخصاً واحداً فقط هو الذي يتحدث للاعلام، وهو الرئيس، وما على الآخرين من مساعديه سوى البناء على أقواله. حتى الرئيس نفسه قلما تصدر عنه تصريحات تصنع الفارق ويذهب صداها بعيداً في الاعلام العالمي وفي الأوساط الحاكمة في عواصم الغرب.

 

شحذ السكاكين يتزايد

لقد زاد شحذ السكاكين، والأخطر لم يأتِ بعد. لكن نذره بائنة لكل ذي متابع عن قرب للشؤون الروسية، وكل من يتواصل بشكل شبه يومي مع بعض أوساط الأكاديميا وقطاع الطاقة في روسيا الاتحادية. الجميع في انتظار ردة فعل قوية وحاسمة من موسكو على الخطر الآخذ في الاقتراب. أحرار العالم الذي صدّقوا وآمنوا بأحاديث الرئيس فلاديمير بوتين ورؤيته بشأن العالم المتعدد الأقطاب والدور الذي تلعبه روسيا (قولا لا فعلا حتى الآن) لارساء دعائمه، يتمنون من القلب أولاً أن يتوقف كبار مسؤولي الكرملين، وبضمنهم الرئيس بوتين، عن تقمص دور المحللين والمعلقين السياسيين على الأعمال العدائية الصريحة والفاعلة التي ما فتئت بلدان أوروبا الغربية وأمريكا تمارسها ضد روسيا، في صورة حزم عقوبات متوالية وتسليح متواصل لأوكرانيا لتمكينها من مهاجمة العمق الروسي، والاستعاضة عنها بمواقف صلبة وواضحة ذات مفاعيل على الأرض؛ وأن يعيد الكرملين الزخم للوطنية الروسية التي تعمل الأوليغارشيا الروسية على طمسها من جديد؛ وأن يضع نقطة على السطر لسياسة رد الفعل (Policy of reaction)، ويتحول فوراً وبرشاقة لاعبات الجمباز الروسيات المبدعات، لسياسة الفعل المبادر (Policy of action)؛ وأن تكون البداية بتطهير أجهزة السلطة التنفيذية والسلطة الإعلامية، ممن لازال يُطلق عليهم في روسيا بالليبراليين، وما هم في الحقيقة سوى بيادق وأحصنة طروادة للعواصم الغربية، وللموساد الإسرائيلي الذي بات يسرح ويمرح في موسكو، كما نقل لي أحد المصادر الموثوقة.

إذا لم يحدث ذلك الآن، فإن روسيا ستواصل نزف النقاط، داخل البلاد وخارجها. وسيكون ذلك خصماً بالضرورة من رصيدها العالمي، وهي التي ما برحت تسوق نفسها كرافعة ثانية – الى جانب الرافعة الصينية – للنظام الدولي الجديد المتعدد الأقطاب الذي يُراد له أن يُشاد على أنقاض نظام الأحادية القطبية الأنجلوسكسوني.

 

 

*الدكتور محمد الصياد خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية